fbpx

آدم وأسطورة الشخصية عند شارل مورون _ الجزء 2

دراسة نفسية في رواية فؤاد العروي Les tribulations du dernier sijilmassi

لقراءة الجزء السابق: الجزء الأول

لن يستطيع أحد استحضار الحكاية دون شخوص، أيا كانت هذه الشخوص، سواء آدمية أم غير آدمية، إذ هي من تؤول إليها الحركة الدينامية للأحداث، وهي من تؤول إليها نسبة التأثير والتأثر، سيكولوجيا وسوسيولوجيا ومعرفيا واقتصاديا …


إن الرواية تبنى على أعتاق القوى الفاعلة وتدفعها أحيانا إلى ما لا تطيق، غير أن ذلك يكون تعبيرا – حسب نظرية التحليل النفسي – عن النفس المبدعة، وطه حسين يأتينا بفكرة، الأدب مرآة لعصره، والمبدع ثمرة عصره بتعبير سنت بوف، أي يحق لنا القول إن الذات المبدعة تترجم واقعها النفسي والإجتماعي في واقع مفترض وورقي، وبالتالي يكون هذا الواقع عاكسا للواقع المعاين، وكل ما فيه من شخوص هي شخوص موجودة بصورة أو بأخرى، رمزيا أو صوريا عند كل ذات بشرية، وعلى ذلك، تعطى أهمية كبيرة للتحليل الروائي، وتعطى أهمية أكبر لتفكيك مستويات القوى الفاعلة، على اعتبارها قوى فاعلة حقيقية بالمعنى المجازي وتعيش حياة كاملة، تفكر، تجيش بالعواطف والرغبات وتنمو كما ينمو كل شيء.


لقد أبدى شارل مورون(1) Charles Maurronنظرته تجاه الشخصية والتفكير فيها تفكيرا سيكولوجيا معمقا، ويعد كتابه “ من المجازات الحصرية إلى الأسطورة الشخصية ” (2) من الكتب التي خلفت أثرا بليغا في تاريخ النقد النفساني الجديد، وتجاوز في ذلك نظرة فرويد للفن، على أنه غريزة سامية، كانت على وشك أن تلبى بطريقة حيوانية وينتهي كل شيء، تقول آن كلانسيير (3) Anne Clancier ” يعتقد شارل مورون أن الإبداع الفني تحكمه متغيرات لها تأثير: الوسط وتاريخه، شخصية المبدع وتاريخها، اللغة وتاريخها. يتقيد النقد النفساني بدراسة جزء من المجموعة الثانية: الشخصية اللاواعية للمبدع وفق منهج محدد (….) – تحديد شبكة من التداعيات الملحة التي تتبدى في شكل صور تحيل على اللاوعي – إعادة تركيب هذه الصور – البحث عن الأسطورة الشخصية للمبدع من خلال ما يتوصل إليه من دلالة – تقويم النتائج المحصل عليها .. “(4)

كيف يمكن أن نفسر آدم من خلال هذا الطرح ؟

مبدئيا، إن شخصية آدم هي شخصية مرجعية (5) ندرك من خلال النص أنها ذات مثقفة ميسورة وتحتل مكانة اجتماعية متميزة، فهو (l’ingénieur Sijilmassi (6 يتمتع بحس تحليلي للأشياء، يفكر مليا في القضايا الوجودية والكونية المؤرقة.


وإذا عمقنا النظر في تساؤلات آدم الفلسفية سيتبدى لنا أمرا هاما، يدفعنا إلى اكتشاف نقطة شكلت مدار الأحداث النفسية في الرواية، ولا بد أنها، بشكل أو بآخر” تداعيات لاواعية” يضعها الكاتب بصورة واعية في النص. لقد أدخل فؤاد العروي مستوى القراءة منذ اللحظة الأولى، إذ لا شيء يثير استفزاز المتلقي سوى تحريك المكنون في لاوعيه أيضا، بحيث أن تلك التساؤلات جميعها، رائجة في أذهان كل منا، ماذا نفعل هنا ؟ غير أن آدم تجرأ على طرح قضية أنطلوجية شائكة، تضارب فيها وعيه بلاوعيه، وهي صورة تجسد، الليبدو / من رفاهية وما إليها، وتجسد، الأنا / من تفكيرها المستمر في المصير أو الغاية من وجودها في أرض تعتبرها غير أرضها، تماما كما في الحكاية الأولى لآدم مع الجنة.


ولعل هذا التأويل هو استحضار لفكرة مورون، الشخصية وتاريخها، إذ كون الشخصية تعيش بواقعها الذي واكبته من الأزل. وهو الذي يبقى قائما في منطقة لاوعي العملية الإبداعية، وقد يدفعنا هذا من جهة ثانية، أن نقول إن أسطورة الشخصية، التي يعيش بها الشخص الممثل لأنا المبدع ومجتمعه، هي التاريخ، أو بتعبير آخر. هي إعادة إنتاج التاريخ بصورة غير مباشرة، في إطار مسألة الخروج والعودة إلى الأرض الأزلية، لقد أسفرت التساؤلات التي وضعها فؤاد العروي على لسان آدم عن هذا الحفر السيكولوجي العميق والمضمر، جاعلا بذلك استحضارا للرمز التاريخي المتمثل في مفهوم النزول .

ثم إننا ومن جهة ثانية، نجد لحظة قذف التساؤلات من اللاوعي كانت على ارتفاع 3000 ميل(7) ، أليس هذا استحضار لمفهوم النزول التاريخي عند آدم أيضا، النزول إلى الأرض؟
تؤكد هذه المعطيات اتخاذ الأسطورة الشخصية رمزا تاريخيا، يعيد إنتاجه الروائي المتمكن فؤاد العروي وفق مسار سردي سخر له كل الأشياء المدركة واللامدركة، الواعية واللاواعية الذي حقق فيها الكاتب وعيا كبيرا في معالجة هذه القضية النفسية المركبة، ولا بأس أن نشير هنا إلى كون الطرح الذي قدمه مورون يفيد بكل تأكيد في كشف الستار عن ما وراء الشخصية من حمولة رمزية وتاريخية وسردية، وقد خص كتابه المذكور سابقا، “من المجازات الحصرية إلى أسطورة الشخصية، مقدمة في النقد النفساني” بإشكالية اللاوعي المعقدة عند القوى الفاعلة وكيفية استخراجها، أو على الأقل محاولة الاقتراب من ذلك.


ولعل رواية فؤاد العروي، محن آخر سجلماسي، تستجيب شخصياتها المرجعية إلى هذا المستوى الذي تجاوز الكشف السريري، من حالة مرضية غريزية إلى حالة واعية ولاواعية تساهم في تسيير الأحداث انطلاقا مما واكبته الذات المبدعة من أنساق، وبذلك تكون رؤية التلقي رؤية عميقة شيئا ما، تمكن من فهم أزمة الذات في المجتمع، إذا شئنا نقول في المجتمع المهجري، وكيفية سرد هذه الأزمة بخلفية إيديولوجية محكمة تعطي لكل شخصية استقلاليتها البوليفونية في التعبير عن الرأي والرأي المضاد، كما في التعبير بالكتابة، والرد بالكتابة.


غير أن رواية محن آخر سجلماسي، لا تقتصر فقط على قضية واحدة، نفسية كانت أو وجودية، وإنما هي تمتلك القدرة على تشبيك قضايا معقدة من سياسة ومجتمع ونفس…وقد اكتفينا فقط بتسليط الضوء على آدم والحفر السيكولوجي في جوانبه انطلاقا من سؤال واحد، ماذا أفعل هنا ؟ وقد كان هذا السؤال باعثا لدينا على هذا الحفر النفساني في ذات متأزمة بالتفكير .


(1) Charles Mauron (1899-1966) est un traducteur français, poète, romancier et un critique littéraire ayant utilisé la critique littéraire psychanalytique pour établir et développer les bases de la psychocritique .
(2) صدر في باريس عام 1963 عن دار النشر جوزي كورتي، وعنوانه الأصلي Des métaphores obsédantes au mythe personnel : introduction à la psychocritique . وبعدها بسنة نشر عن نفس الدار كتابه psychocritique au genre comique .
(3) Anne Clancier (1913-2014) est une psychanalyste et femme de lettre française, ses travaux portent principalement sur la psychanalyse appliquée à l’art et à la littérature
(4) المقاربة السيكولوجية للأدب، مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة- المملكة المغربية/ 2010 – من كتاب آن كلانسيير ” التحليل النفسي والنقد الأدبي” دار بيفات 1973 ص. 192
(5) هو التصنيف الجديد الذي أطلقه فيليب هامون، الناقد الفرنسي حول الشخصيات، فجعلها شخصيات مرجعية أي رئيسية وأخرى غير مرجعية، ليمنح القوى المرجعية مستويات للتحليل، منها المستوى الاجتماعي والنفسي والعقائدي والمعرفي والاقتصادي .. وذلك في كتابه المهم، سيميولوجية الشخصيات الروائية، وقد قدم له وترجمه كل من الأستاذين سعيد بنغراد وعبد الفتاح كيليطو.
(6) Fouad Laroui, les tribulations du dernier Sijilmassi / Julliard – paris 2014 p 7 .
(7) les tribulations du dernier Sijilmassi- p6 .

آدم وأسطورة الشخصية عند شارل مورون _ الجزء 2

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله