fbpx

آهات من الحجر الصحي

من يوميات محجور في زمن الكورونا

السادس من أبريل 2020، تدخل المملكة في يومها السادس عشر من حالة الطوارئ الصحية، حزمة إجراءات احترازية فرضتها السلطات العمومية لتلافي مخاطر انتشار الوباء اللعين، كل الأنشطة مجمدة باستثناء القطاع الصحي والأمني وبعض الخدمات الأخرى الضرورية كالتموين …، وهل لأحدنا أن يقول أن شيئا لم يتغير مع كل هذه المستجدات؟ كلا، فقد أضحت الشوارع خالية بعدما كان بعضها يكاد ينشق من كثافة المارين به، تبدو الآن فارغة إلا من رجال أمن يتصيدون المتمردين ضد حظر التجوال، وعمال النظافة يلتقطون ما بقي من فوضى الناس قبل دخولهم…؛ مدن أشباح ومحلات موصدة، هكذا أضحى الوضع في المملكة!!

لم يكن هذا الوضع ليمر دون أن يحدث تغييراً عندنا في البيت، فقد اجتمع أفراد الأسرة بعد أن كان الكل منهمكا في متابعة حياته في مكان ما، هنا بالذات لمست في كورونا حسنة، فقد تلملم شمل الأسرة وسُدّ شرخ التباعد الذي نعيشه على مر السنة. في زاوية غير بعيد عن صالة الجلوس كنت السباق واستوليت على طاولة خشب دائرية الشكل، تلك التي أحدثت فراغا كبيرة حين أزلتها من الصالة، وكرسي بلاستيكي أبيض اللون، صنعت بهما مكتباً لعيناً تؤلمني رقبتي حين أفرط في المكوث فيه، ورغم ذلك أجدني أنظر إليه بشغف وبحب وحين يحاول عقلي خرم التناسق الذي نسجته بين الكرسي والطاولة أتذكر يومها رفقة صديقي إبراهيم حين ساومنا أحد الطاولات الكبيرة الراقية كتلك التي توضع في مكاتب المحامين، وصفعني بائعها بثمن ألف درهم لأعود وأنا أحوقل لهول ما سمعت، أدركت عندها أني لن أحظى بمثله أبداً -أو على الأقل الآن وأنا لا أزال على ذمة والدي-.

أضع على حاشية الطاولة المدورة بعض الكتب وبضع مقالات مصورة، وحاسوبا استعرته من ابن عمي، بكل حب قبل أن يعيرني إياه وتجرع ألم التنازل عن مشاهدة كل تلك الأفلام والمسلسلات التي دسها فيه قبل أيام، يا لخيبة المسكين…؛ بعد حوالي ساعة من تسمري أمام شاشة الحاسوب، أحاول بكل تركيز صياغة فقرة متناسقة علي أنجو من ملاحظات الأستاذ المشرف بعد أن أرسلها له، الكتب تطوقني وكأنها من فرط كثرتها وبعثرتها تحاول إخباري بأن الأمر أصعب الآن حتى من مجرد التفكير في البقاء على قيد الحياة، أما التخرج هذه السنة فهو من قبيل الأحلام.
أحيانا ومن بين كل الأمور الرتيبة التي تطبع يومي، تتسلل إلى ذهني فكرة أن الأمر مجرد حلم، سرعان ما يتبدد هذا الظن حين أتذكر أن وجبة الغذاء التي صنعتها أمي البارحة بتلك البراعة يستحيل أن تكون في حلم، الأمر إذن حقيقي والعالم يعيش أزمة تُبخس كل المساعي الاقتصادية والسياسية وغيرها التي كانت الدول تهرول وراءها، ويظهر فيها إعلان انتهاء حالة الطوارئ الصحية كنيل قصب سبق للخروج من الأزمة في كل بلد. من المطبخ يأتي صوت جهوري، إنه أبي يقول أن عدد المصابين يرتفع إلى الألف، يعقبه بسرعة صوت أمي ببحة قرأت فيها التحسر “ياربي يحفظ”؛ أمي لا تكف عن تذكيرنا من حين لآخر بأن قاطني البوادي يتمتعون بمناعة قوية وأن الفيروس لن ينخر رئاتهم كما فعل في سكان المدن ضعيفي المناعة…

بطريقة لا إرادية ومنذ مدة أصبحت أستل هاتفي وأنقر على أيقونة الفيسبوك دون أن أتكلف أدنى تفكير، أصبح الأمر نمطياً لدرجة أجدني أتصفح منشورات بعض مواقع التواصل دون أن أعي أني أفعل ذلك، الآن كل تلك المنشورات تتشابه فإما أن تكون إحصائيات لعدد المصابين بالوباء أو إرشادات وقائية لتفادي الإصابة به أو تأكيد على ضرورة لزوم البيت في هذه الفترة، وأحياناً أخرى أخبار زائفة، بل إن أكثر تلك المنشورات في بداية الحجر كانت صورا لأناس يهرعون إلى الأسواق والمركبات التجارية يتبضعون زيادة على ما كانوا عليه في الأيام العادية، لقد أصبح الخبر الشيء الوحيد الذي يقلقهم وهم أحياء؛ عجباً لهم!

أقرأ فيما أقرأ ويروق لي على جدار الفيسبوك كذلك أمواج التضامن التي فاضت أيام الحجر، شباب يتطوعون ومحسنون يعطون، إحسان بلا حدود.
أقرأ كذلك انصياع بعض المدن لقرارات السلطات العمومية، وعي تام وانضباط مسؤول أبان عنه سكانها، وبعض من المتهورين يصولون ويجولون الشوارع بهتافات، يُفهم منها مدى ضعف وعيهم بخطورة الجائحة.
أقرأ أيضا عن أناس يصيحون أنهم سيموتون جوعاً قبل أن تقتلهم كورونا، ترد الحكومة باجتماعات استثنائية مستعجلة للنظر في كيفية إيصال المعونة لهم، البعض فرح بذلك وآخرون مستاؤون من تعقيد الحكومة لمساطر الاستفادة…
أقرأ كذلك استغراب البعض من فكرة التعليم عن بعد التي قررتها الحكومة، على خلفية بعلامات تعجب يكتب “كيف لأبنائنا التعلم عن بعد وهم لا يتعلمون حتى عن قرب”، يضع ثلاث نقاط في إشارة لأن الحديث طويل ويضيف كلمة “العبث”؛ فهمت أنه يستنكر الوضع… أقرأ وأقرأ وأقرأ ولا ينتهي الجدار وكأني أسحب على شاشة الهاتف جريدة بطول سور الصين العظيم.

ما عادت اليوم الأرقام تخيفنا ولا حتى حالات الوفيات فقد اعتدنا ذلك ونحن في اليوم السادس عشر من الحجر، غير ذلك فالمصيبة إذا عمت هان علينا الشعور بالذعر اتجاهها، كما أني لم أعد أغيظ أصدقائي بصور المناظر الطبيعية الخلابة التي ألفت بعثها لهم في بداية الحجر الصحي وهي مرفقة بتعليق أقول فيه أن حياتنا هنا في البادية رائعة ولا نحس بأي تغيير من جراء الحجر، وأنهم في المدن أشبه بنزلاء سجن يتحسرون على الخروج والعودة لروتين عيشهم اليومي، حيث كانت صور الوجبات السريعة التي تعودوا عليها تتقاطر في صور حالاتهم على الواتساب والانستغرام والتسكع في أزقة وشوارع مدنهم…، لم أعد أفعل ذلك لأني أحس الآن بالملل والتذمر مثلهم، فبعد أن قضيت معظم حياتي في المدينة لم يعد نمط العيش في البادية يروق لي كما كان، البادية أكثر أيامها رتيبة تتشابه، كل ذكريات فيها تنتهي حين حصلت على شهادة الدروس الابتدائية وبعض من لقطات أخرى، أعياد وعطل صيفية ومناسبات… لكن لا أخفي في ذلك حبي لبلدتي والحنين الذي أشعر به حين أبتعد عنها.

بعد برهة أنتبه إلى أني بالأحرى أكملت سطرين على الوورد في الحاسوب، أحاول جمع وضغط تفكيري كله للبدء في الكتابة مجدداً فأجدني غير قادر إطلاقاً، كل الأخبار التي تأتي من الهاتف تنسف تركيزي ومزاجي في الكتابة، أسجل بكل حرص الأحرف التي أبدعت اليوم حتى لا أفقدها كما حدث معي مراراً حين كنت أنسى حفظها، أضغط زر إيقاف التشغيل في الحاسوب، وقبل أن أدرك إلى أين أريد، ساقتني قدماي باحثاً عن أمي أجتر معها حديثاً ينسيني هول ما أرى في مواقع التواصل من هرطقة وتهويل حول كوفيد 19.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله