fbpx

أزمة التفاهة

تميّزَ الإنسان منذ القدم بتكريم الخالق له وجعله أعلى المخلوقات منزلة بمنحه ملكة العقل التي تخول له القدرة على التفكر، التفكير والتدبر في شؤون الحياة. بالعقل استطاع الإنسان بلوغ حريته والتحرر من كل سلطة أو عائق يكبح هذه الصفة التي تجعله منزَّهًا عن غيره من المخلوقات؛ إلّا أنه في العصر الراهن، أصبحنا نشهد نوعا من التراجع على المستوى الإدراكي الإنساني؛ أو بالأحرى البشري. 
أصبح العالم يعاني من أزمة التفاهة التي عزّزت التنافر بين الأجناس البشرية، التعصب للأديان وحب الذات المفرط. أصبحتِ التصنيفات البخسة، ومنها ما هو لغوي، جندري، عرقي وديني؛ هي ما تحكُم العلاقات الإنسانية. فالكل يتباهى بدينه، لغته وثقافته في انغلاق حاد وتبخيس لاعتقادات غيره، إذ تبيّن أن التعصب محمود والتسامح مذموم لأن الأول لا يطلب مناشدة للعقل، فهو خمول فكري يمنع من قبول الاختلاف. خموله الفكري هذا جعله يخون التسامح ويتفادى الانفتاح عن الغير، لأنه يجعله يعيش في خوف وحيرة، ويمكن تفسير هذا الشعور استنادا إلى “إرثه” الفكري أو الديني القائم على أساس هش لا يضمن له الاستمرارية في وجود ما يخالفه، فيبقى أسير ضعفه. 
فَضَّل العالم العيش في حرب باردة أقرب إلى صراع الحضارات بدلاً من الانفتاح على التراث بشتى أنواعه للتحرر من محاصرة العقل؛ فالكل يتهافت بتميزه عن غيره والكل يخاف من انتصار قرينه الإنسي الذي جعل منه عدوا.. المسيحي ينعت المسلم بالإرهابي، المسلم ينعت اليهودي ب”الكافر”. إلا أن السبب الكامن وراء هذا التصارع بين الأديان وعدم القدرة على التعايش وفق قناعة الاختلاف هو ما جعل المعتقد الديني قضية اجتماعية وسياسية، بيد أنه في الحقيقة أمر شخصي وروحاني يجمع الإنسان بخالقه.. 
بالإضافة إلى الدين، أصبحت اللغة معيارًا للتميز بعد ما كانت مجرد رموز تسهّل التواصل بين أبناء الأرض، فأصبحنا نشهد صراعا بين اللغات وناطقيها، يتهافتون لاستمراريتها، بل أصبحت بعض اللغات تشكل معيارا للثقافة في بعض البلدان التي غضّت النظر عن لغتها الأم وأصبحت تتداول لغة غيرها لبلوغ نوع من الرقي الاجتماعي المزيّف. 
فضلا عن ذلك، لا ننسى قضايا “الجندر” التي أضرمت نيران الحرب بين الرجل والمرأة، في حين أنهما خُلقا مختلفيْن بغرضِ التكامل. فالمرأة والرجل كالقلب والعقل كلاهما أساسيان لضمان سيرورة الوجود، بحيث إن البحث عن المساواة يوقِع في فخ التفاضل أي الفوقية والدونية؛ وهذا المعيار لا يتحقق إلا في إطار التوحيد في الجندر. فهما جُزآن متكامِلان يضمنان الاستمرارية، وهذه مجرد بعض تجليات هذه الأزمة .. وما خفي أعظم! 
إن تخطي أزمة التفاهة التي جعلت الجنس البشري يعيش في دوامة الكره والبغضاء وجَب الاحتكام إلى توظيف مَلَكة العقل التي تقود إلى التحرر من الدوغمائية، وجوهر التسامح، فمِن الاختلاف يولد أحسن ائتلاف!
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله