fbpx

أولئك القريبون من الألم..

لم أع جيدا مضمون حديث خير البرية محمد صلّ لله عليه وسلم حين قال:《من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بأسرها》 حتى عرفت أولئك القريبون من الألم، الذين أنجبتهم الأيام أيتاما فقراء، لا يملكون رغيف خبز يسد جوعهم ولا دفء أسرة يحتمون به من موسم البرد القارس. أولئك الذين لا ذنب لهم في الحياة سوى قدر أبى إلا أن يعيشوا تحت مرارة الذل وقهر الأيام ليموت شعورهم في آخر المطاف وهم لازالوا أطفالا أبرياء لم يشبع الدهر منهم قط … ماتوا وهم على قيد الحياة لتدوسهم عجلات الزمن بسرعة الضوء فتسحق أجنحة روحهم الطاهرة، كيف لا؟ وهم الذين اصطافهم الزمن ليغدر بهم ويذيقهم اللعنة والعتمة، كيف لا؟ وأعمارهم تبدو كغزال بري يلاحقه ذئب جائع فيلتهم أحلامهم، أولئك الذين يسكنون قبوا باردا في أعالي الجبال رغم مساحة قلوبهم الشاسعة، التي تفيض حبا وقناعة لكل من تجرأ وتبسم في وجوههم التي تسكنها تجاعيد، ويلتهمها احمرار بسبب برد أرهق أجسادهم الصغيرة، إنهم مرغمون على التكيف مع نزلات البرد، الشمس الحارقة، الثلوج التي نراها نحن كجمال تزخر به الطبيعة، لكنها لهم بالمرصاد بسبب غياب مشروب ساخن وقبعة زرقاء تحيكها جدتهم فتتلاءم ولون الثلوج لتكون مزيجا بهيا رائعا؛ وبسبب غياب الحطب الذي يغدو كألماس نادر يشع نورا في قطعة مجوهرات. 
الحطب في أيام البرد القارس يشبه جبنة الموتزريلا ذات الطعم الخيالي الآتية من هولندا والتي ينتظرها الطباخ الايطالي بصبر شديد لينثر قطعها على عجينة بيتزا، فتضيف لمسة راقية من حيث الشكل وطعما شهيا لا يقاوم من حيث المضمون. أما رغيف الخبز فهو مصدر انبثاق سعادة لا منتهية لكونه يملأ بطونهم الفارغة كما يملأ المطر السدود، فيغدو الشعب فرحا متفائلا بمحصول فلاحي جيد، بل وبصناعة مزدهرة. 
وبالرغم من كل المأساة والمعيقات والإكراهات التي تحول دون تحقيق حياة سليمة لهم، إلا أننا نجد قلوبهم تلمع كحبة كريستال، بالصبر والأخوة وتفويض الأمر إلى مدبر الأمور، أولئك القريبون من الألم فهموا مغزى الحياة بدون الحاجة إلى مدرسة أو كتب مدرسية أو استراتيجية تعليمية أو منهج معين تفرضه وزارة التربية الوطنية. فنجد على سبيل المثال طفلا صغيرا يستغني عن معطفه لتلبسه أخته الأصغر منه؛ هنا يتجسد الإيثار وتنبع المحبة ويفيض الحب، إذ أنه يحميها ويخاف عليها ويؤمن لها ما تحتاج بالرغم من عدم توفر أبسط شروط العيش. 
أولئك القريبون من السماء، البعيدون عن الحياة، لا تهمهم لا ثقافة ولا مقاربات سياسية ولا فن، إن كل ما يشغل بالهم هو حياة لائقة أساسها التدفئة والتغذية؛ بسطاء في العيش لا يحزنون لعدم تأهل الفريق المدريدي لمباراة ما، ولا لعدم دراستهم لتخصص الطب مثلا، ولا لعدم حضور آخر فيلم لممثلهم المفضل. هاته التفاصيل الدقيقة التي تضيف للحياة معنى آخر، لا يعرفون تصنيفها هل في الحياة أم في الممات؟ إنهم يلتقطون ذبذبات عطف من هنا وهناك، ربما من الحجر أو من المطر، فأحيانا يكون الجماد أكثر عاطفة من بني البشر. 
إنهم يلامسون أرواحنا ويبنون قنطرة إلى قلوبنا اسمنتها مرارة اليتم وطريقها هو البريق الذي نراه في عيون أولئك الأبرياء، متشبثون بنا لعلنا نكون السماد الذي يخصب تربة حياتهم، فنحولها بإذن الله تعالى من اللاشيء إلى الشيء، ومن اللارقي إلى الرقي. 
لنمد إذا يد الإحسان لهم، ولنكن الشراع الذي يحمي السفينة من العاصفة ويسارع بها إلى بر الأمان استنادا إلى حديث رسولنا صلّ الله عليه وسلم:《 أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى》.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله