fbpx

أ لَنْ يستجيب القدر ؟

محمد البوعزيزي.. “طائر الفينيق”

بـدأت الحكاية سنة 2010، مع محمد البوعزيزي المواطن التونسي الذي سلبه الفقر حق العيش الكريم، فلم يَرْضَ أن تسلبه صفعة السلطة ما تبقى من إنسانيته، أضرم النار في جسده البالي الذي فقد الأمل في وطن حر لا يصفع أبناءه لأنهم يحلمون ويفكرون ويعبِّرون. لكنه لم يكن يعلم أن نار يأسه سيولد من رمادها أمل؛ أملٌ تجلّى في آلاف الأصوات تردد بصوت واحد :

إذا الشّعْبُ  يَوْمَاً أرَادَ   الْحَيَـاةَ *** فَلا  بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ   القَـدَر

وَلا بُـدَّ  لِلَّيـْلِ أنْ  يَنْجَلِــي ***   وَلا بُدَّ للقَيْدِ  أَنْ يَـنْكَسِـر

بينما آلاف الحناجر تصدح “عيشٌ حريةٌ عدالة اجتماعية”، في تونس، مصر، ليبيا، سوريا، اليمن… تناثر رماد البوعزيزي في جميع الأقطار العربية، رماد مشتعل بالتوق الشبابي لوطن الكرامة، لوطن الحرية، لوطن الإنسان. فرأينا في الثورات ربيع أمتنا، وظَنَنَّا أن القدر سيسمع هتافاتنا وأن البوعزيزي هي الشعلة التي ستنير لنا الطريق لغد أفضل. لكن سرعان ما أخمدت الشعلة, وانقلب الربيع خريفا، وصَمَّ القدر آذانه عن أصوات احتضار شهدائنا.

اغتصاب الانتفاضة العربية ولعنة تاء التأنيث

اغتصبت الانتفاضة العربية في عرسها، بثوب زفافها وحناؤُها المخضَّبةُ بدم الشهداء التي لم  تجف بعد… اغتصبها الحاكم الجديد الذي تبين أنه مصاب بعدوى الكرسي التي تبرأ منها في حملته الانتخابية، اغتصبها الأقارب العقارب الذين لا يريدون حرية وتمردا على سلطتهم في العائلة. تمت الجريمة تحت مباركة دولية وتم لوم الضحية.  “ويحك يا انتفاضة! ويحك يا ثورة ! جلبتِ العار للعائلة”؛ وكباقي ضحايا الاغتصاب في وطننا، تحولت إلى متهمة وتمت محاكمتها بتهمة الخراب والفوضى، زُج بها في غياهب سجون النسيان وتبرؤا منها ومن كل من يدافع عن براءتها. ربما لو كان اسمها غير مؤنث لما لقيت نفس المصير!! فنصف أنظمتنا العربية بدأت بانقلاب كلمة مذكرة لا تُعاب تستمر لعقود ولا تجلب العار، يحبها الأقارب والأجانب. إنها لعنة تاء التأنيث!  

السودان.. الشُّعلة الأخيرة!

بعدما فقدنا الأمل، واقتنعنا أن قدرنا المسطر على لوح القدر لن تغيره الهتافات والاحتجاجات السلمية التي تُواجَه بالرصاص والسجن والتعذيب والبيانات العسكرية والميليشيات الإرهابية، قدَرنا أن نعيش تحت طغيان الحاكم أو أن نغترب في أوطان تذكرنا كل يوم بلقبنا “مهاجرين”، أن نبقى في حضن الوطن الحارق بنار العبودية والديكتاتورية أو أن نلجأ إلى أحضان الغرب القارس كصقيعهم.

وبينما نحن نختار بين الأمرّين، ظهرت شعلة مفقودة من رماد البوعزيزي نثرها الريح إلى الجزائر لكنها بقيت خافتة حتى أجَّج نارها قرار عبد العزيز بوتفليقة بالترشح لولاية خامسة؛ و هو في عقده الثامن،  لم يكتفِ بعد من الجلوس على كرسي الرئاسة الذي حوله إلى كرسي متحرك… أطاح بلدُ المليون شهيد برئيسه المُقعد الذي أقعد الجزائر عن التقدم فعاد الأمل إلينا، عاد إيماننا بالتغيير والحرية وأخرجنا الانتفاضة من سجنها، لكنهم أرادوا أن يغتصبوها مرة أخرى، أرادوا أن يسلموها إلى حاكم عسكري جديد، فأبى الشعب الجزائري أن يشهد على هذا الزواج ولازال صامداً..

انتقل ريح الأمل إلى السودان ليسقط أقدم ديكتاتور في العالم عمر بن البشير، انقلابي، مجرم حرب ورئيس السودان لمدة ثلاثين سنة، لكن أزلام النظام المخلوع وعلى رأسهم الجنود والعسكر بقيادة حميدتي أبَوْا لهذه الفرحة أن تكتمل. ولم يكتفوا باغتصاب الانتفاضة بل تعدَّوا ذلك إلى اغتصاب المنتفضين وقتلهم واعتقالهم واختطافهم, بعدما تم طرد جميع الوسائل الإعلامية وقطع شبكة الإنترنت لكي تبقى جرائمهم طي الكتمان. لكن إرادة الشعب السوداني وإيمانه بالتغيير أقوى من بشاعة جرائمهم،لازال الشعب السوداني صامدا وهو يخط قدره بدماء أبنائه متخذا السلمية شعارا ومَبدَأ.

إن الشعلة الأخيرة من رماد الحرية العربية، الآن، في قنديل سوداني كلما حاول “الجنجويد” إطفاءها بجرائمهم سقاها الشعب السوداني دما طاهرا… فاسقوها بأصواتكم وكلماتكم و إلا فسنعيش في دجى ظلام العبودية إلى الأبد.

الوسوم

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله