fbpx

إنصاف واسيني لمي زيادة

(إني أموت لكني أتمنى أن يأتي بعدي من ينصفني) ..ربما هذه الجملة هي آخر ما كتبته الكاتبة الكبيرة مي زيادة على ظهر مخطوطتها (ليالي العصفورية). ويعتبر الكاتب الجزائري واسيني الأعرج أحد هؤلاء الذين جاؤوا كي ينصفوا هذه القامة الأدبية الكبيرة، بعد الظلم الذي عرفته من عائلتها وعلى رأسهم ابن عمها جوزيف الذي كانت تحبه وتثق فيه حسب ما جاء في المخطوط (خصوصا بعد رحيل الثلاثي الذين كانت تتكئ عليهم في حياتها: والدها الذي توفي سنة 1929 والرجل الذي أحبته من بعيد ومن خلال المراسلات الكاتب جبران خليل جبران، وأمها التي توفيت سنة 1931)، والذي حسب مخطوط “ليالي العصفورية ” زَج بها في العصفورية، وهي مصحة بلبنان للأمراض العقلية، لكي يستولي والعائلةَ على أملاك الكاتبة وذلك باتهامها بالجنون وهي في كامل قواها العقلية. وموقف واسيني الاعرج هو إنصافٌ من أديب وكاتب مغاربي اتجاه خذلان الأدباء والشعراء الرواد المشارقة لصالونها الأدبي، والذين وقع جلهم في حبها أمثال مصطفى العقاد وسلامة موسى وطه حسين ومطران وأحمد شوقي …لكنهم تخلوا عنها بل منهم من شَكَّك في سلامة عقلها كطه حسين.
تسافر بنا روايات مي “ليالي إيزيس كوبيا” ثلاثمئة ليلة وليلة في مجمع العصفورية -يُعد إسم إيزيس كوبيا أحد الأسماء المستعارة التي كانت توقِّع بها مَي كتاباتها خاصة التي كتبتها باللغة الفرنسية- والروائي الجزائري ساهم في إنصافها، ابتداء من غلاف الرواية حيث وضع صورة جميلة لمي وكتب إسمه الشخصي (واسيني) دون اسمه العائلي (الأعرج)، كأن مي زيادة تطلب منه أن يواسيها، خلال ثلاثمئة ليلة وليلة التي ستحكي لنا فيها حكايات بعيدة عن حكايات ليالي شهرزاد التي كانت تحكيها وهي فوق سريرها المريح؛ أما مي ستحكي حكاياتها في العصفورية ..العصفورية إسم على غير مسمى ..العصفورية تحيلنا إلى رقة العصافير وعذوبة أصواتهم، بينما العصفورية الحقيقية سجن مَي كانت معقل عواء الذئاب المخيف ..
تسافر بنا الرواية بين الخيال والواقع وحقيقة قصة معاناة أشهر امرأة عربية اقتحمت عالما يستحوذ عليه الرجال، عالمٌ فَرضَت نفسها فيه بقوةِ شخصيتها ورجاحة عقلها وابداعاتها الأدبية ومقالاتها الصحفية ومحاضراتها وكتبها وقصائدها، فأصبحت بين سنتي 1913 و 1938 رُبانا لأشهر صالون أدبي عربي، تحُج إليه كل يوم ثلاثاء كوكبة من خيرة رجال الأدب والسياسة والسلطة والديبلوماسية العربية والغربية.
يأخذنا الكاتب في روايته في رحلة للبحث عن مخطوط ليالي العصفورية الذي حكت فيه مَي مؤامرةَ ابن عمها وعائلتها ومعاناتها في العصفورية وخذلان أصدقاءها وأحبابها لها، ومساعدة قلة منهم لها للخروج من أزمتها واسترجاع حقها في الحياة؛ ولو أن المنية سلبتها قبل أن تسترجع حقوقها المادية وثروتها، حيث توفيت فقيرة سنة 1941 بعد إصابتها بمرض الربو. 
جعلنا الروائي نرافق بطله ياسين، الموهوس بِمَي، و صديقته روز في رحلتيهما للبحث عن مخطوط ليالي العصفورية، فانتقلنا معهما بين الجزائر ومصر وباريس وفلسطين ولبنان حيث جمعا المخطوط. بمواصلة قراءة الرواية نغوص مع مَي في آلامها التي عاشتها بظلم أقربائها، نتخيلها من خلال سطور سردها وهي تصرخ في العصفورية رافضة الزج بها في هذا السجن، و هي ترفض الأكل وتُضرب عن الطعام احتجاجا، وتعذيبها وإرغامها على الأكل، و تخور قوانا مع ضعفها و نستنشق معها دخان سجائرها التي زادت من سعالها؛ نعيش حرمانها من الكتابة التي تتنفس بها ونفرح معها بعد حصلت على طاولة وأوراق وأقلام، ونشعر بتعبها بعد مجهودها الكبير لكتابة سطور المخطوط ونرحل معها بين طفولتها ومراهقتها التي قضتها بين فلسطين ولبنان في المدارس الكنائسية، و هجرتها إلى مصر مع والديها، وشبابها وإشاراتِ حُب العظماء لها، وإشارات خفيفة ولكن قوية لحبها الغريب لجبران؛ و نكتشف في مخطوطها حب ابن عمها منذ المراهقة، حب لم يشفع لها عنده لكي يتآمر عليها ويستحوذ على أملاكها وعقلها وحريتها إلى أن تسترجعها وتعود إلى مصر لتُتَوفى بها وتُدفن مع والديها في جنازة لم يحضرها إلا عدد قليل. 
فرواية إيزيس كوبيا تتركنا لا ندري هل هي فعلا مخطوط كتبته مي أمْ كتبت بعضه والراوي كتب الباقي أم أنْ لا وجود لهذا المخطوط أصلا وهي رواية للكاتب واسيني الأعرج معتمدا على ما كتبته مي زيادة وما كُتب عنها. 
على العموم هي رواية تشد القارئ خصوصا إذا كان من محبي هذه المرأة الجميلة روحا وإبداعا، امرأة تحبها من خلال كتاباتها وقوة شخصيتها، امرأة فرضت نفسها بإبداعاتها ومساهمتها في إغناء الساحة الثقافية العربية في بدايات القرن الماضي؛ رواية كُتبت بأسلوب سهل وجميل ومشوق. 
رواية عرَّفتْني على الروائي الجزائري وجعلتني أُجَدد لقائي بسيدة عَرَّفتني بها أمي الحبيبة في مراهقتي؛ سيدة أحببت شخصيتها القوية وكانت من السيدات اللواتي تركَتْ قصة حياتهن بصمة كبيرة في حياتي؛ سيدةٌ خذلها طه حسين والعقاد وموسى سلامة… أُدباءُ وشعراءُ القرن العشرين من المشرق، فينصفها في القرن الحادي والعشرين أديب مغاربي جزائري، واسيني الأعرج.
 

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله