fbpx

احـذروه .. إنه مُعْـدٍ!

ماذا لو كان الجميع في سلام داخلي ينعش الروح ويغذي الفؤاد، ماذا لو لم يكن للحيرة والتيَهان وجود، لو لم يُخلق إحساس الهلع واختفت الرّيبة وحلّت الهدنة بالجوارح، لو استقرت السكينة بجوار الراحة وهدأت النفوس. أوَلسْنا في نعيمٍ لا يضاهيه جمال أي مغريات في الكون عند غياب البؤس، جمال لا نلمسه إلا بعد زواله ولا ندرك وزنه إلا بعد عملية شفطه من قبل اللُّجج والبحث عن الشفاء للكدمات.
محظوظٌ بالفعل من يستشعر البؤس قبل أن يحاديه، يقتفي صليله ويحاول الابتعاد قدر الإمكان حتى لو كلفه الأمر إقلاعا عن صفات لطالما رافقته أو قطع علاقات كانت في كثير من الأحيان موطن حزن يتنكر في هيئة فرح ومواساة، إن الفؤاد لا يستطيع فصل البؤس عن الحزن العابر فهو يرضي النفس عن طريق عادات ألِف الكيان القيام بها عند الشدة؛ فتلعب بذلك دور مسكّنات تعمل على تهدئة العلة دون معرفة بؤرة الخلل.
بيْدَ أننا وبشكل مُلولب، نَتوق لطعم البؤس إذا استمر الرخاء ودام الجو الصفو، متمسكين بأفظع ما جاد به تاريخ الحكم والأمثال. نعتقد أن الفرح ليس من حقنا وطول مدته تنذر بعاصفة قادمة ستحصد الطمأنينة الناعمة؛ الكائن البشري يستكثر على نفسه سويعات الضحك ويجعل البؤس أسلوب حياة مدّعياً أن القلق من شيم كبار العلماء والأدباء، وبدون حزن ليس هناك خلق ولا إبداع، لكن الأسوء هو التلذذ به حتى بلوغ حالات مرَضية يستحيل معها العودة الى الشكل الطبيعي للحياة. إنها حالة اجترار سوداوي تتميز باكتساح مشاعر الذنب الشديدة عقل الإنسان مما يدفع به إلى عملية إدانة وتحقير ذاتي، فالشخص البئيس يتصف بشلل وركود النشاط العام وبطء العمليات الذهنية والنفسية، فقدان الاهتمام بالعالم الخارجي والحيوية العامة ،إنه انغماس كلي في مأساة وجودية وحداد دائم.
إلى زمن قريب، أصيب الكثير بموجة إخفاق طنّانة جعلوا منها موضة صارخة فمن لم يصبح بئيسا بين عشية وضحاها ولم تصطبغ حساباته الإلكترونية بالأسود وتتزين بالحزن اللافت الجميل كمن يعترف بموته وهو على قيد الحياة.

لا شك أنه وباء فتاك يدعى البؤس الاستعراضي .. فاحذروه إنه مُعْدٍ.

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله