fbpx

الأجراء في زمن كورونا

قانون الشغل في ظل جائحة كورونا

عرف العالم منذ القدم العديد من المحطات والأحداث التي صنعت فارقا في حياة البشر، والتي ترسخت في ذاكرة التاريخ فقد تعرضت المجتمعات البشرية للعديد من الأوبئة والأمراض، التي حصدت العديد من الأرواح، وعانى منها البشر فنذكر على سبيل المثال لاالحصر؛ مرض الطاعون الذي إنتشر في جميع أنحاء أوروبا، والذي أسفرعن مقتل 25 مليون شخص، ومرض الجدري الذي بلغ عدد ضحاياه 20 مليون شخص، ولا ننسى الكوليرا والانفلونزا الإسبانية وإنفلونزا الخنازير والعديد العديد من الأوبئة التي تركت بصمة وأثرا لا يزال أبناؤنا وتلامذتنا في صدد دراستها.

وبتعدد هذه المحطات عبر التاريخ وتغير الظروف التي تصاحبها فقد أثرت على جميع مناحي الحياة في ذلك الوقت، على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وكذا على علاقة البلدان بعضها ببعض.
وها نحن اليوم نعيش سلسلة أخرى وفترة أخرى من هذه الأحداث، وذلك بظهور وباء كورونا المستجد الذي اكتسح العالم، فلم يبالي بالحدود ولا الجغرافيا ليدخل التاريخ كمرض أثر وبشكل ملحوظ في الحياة البشرية في العصر الحديث، إلا أننا سنسلط الضوء على الآثارالاقتصادية، وخلال ذلك سنذكر بشكل موجز تأثير فيروس كورونا على مقاولات الشغل، وكيفية حماية قانون الشغل للأجراء في ظل جائحة كورونا.
فنظرا لتقييم جديد قامت به منظمة العمل الدولية والذي انتهى إلى خلاصة مفادها، أن العالم سيكون أمام أزمة في سوق الشغل وأزمة اقتصادية باتت مؤشراتها تظهر جليا أمام انتشار الجائحة، فلم تكن الأولى من نوعها، هذه الأزمة ظهرت مسبقا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وازدادت بشكل خطير ومؤثر بعد الحرب العالمية الثانية، والتي على إثرها عرفت العديد من المجتمعات المجاعات وظهور الطبقية المجتمعية بين الأفراد، والتي سرعان ما ذهبت إلى نظام ما يعرف بإفقار الفقير وإثراء الغني، وعلى ذلك فإن دول العالم أجمع في الغالب ستتأثر بشكل جلي بهذه الأزمة “فيروس كورونا “، ومن المؤكد أن كلا من المغرب وفلسطين ليسا ببعيدين عن هذه الجائحة وأثرها على جميع المستويات كما سبق الذكر، إلا أن المغرب قام بإعلان حالة الطوارئ في 20 مارس من هذا العام 2020، وشل حركة النقل بالبلاد بشكل تدريجي من خلال مرسوم قانون رقم 293.20.2 ( 23 مارس 2020) وما صاحب ذلك من توقف للعديد من الشركات الاقتصادية القائمة وتوقيف العاملين فيها، أو تخفيف عدد الأجراء في هذه القطاعات، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الدخل سواء على الشركات أوالأفراد، أوالشركات المتعددة الجنسيات المستقرة بالمغرب أو الإنتاجات المحلية وشركات الطيران وغيرها.

وعلى هذا النهج سارت دولة فلسطين أيضا لتعلن حالة الطوارئ بتاريخ 5 مارس 2020 بقرار صادر عن الرئيس محمود عباس على لسان رئيس الوزراء، وذلك بالإغلاق التام للعديد من المؤسسات، تشمل الجامعات والمدارس وتوقف غالبية الشركات عن العمل وتوقيف الأجراء العاملين وذلك كله بدوافع وقائية، تهدف إلى حماية المجتمع، حيث بدأت بوادر هذه الأزمة تظهر بشكل واضح خلال الأيام الماضية وشملت العالم بأكمله.
أما فيما يتعلق بحالة الأجراء ووضعيتهم القانونية في ظل هذه الجائحة، وصعوبة التكهن بالوضع الاستثنائي من التداعيات الاقتصادية على المستوى الوطني أوالدولي، إلا أن هذا لا يمنع من الإقرار بأثره المباشر على العلاقة التي تربط بين المشغل والأجير، وما يمكن أن يعود به على لأجير كطرف ضعيف في هذه العلاقة، وذلك أمام توالي التوقيف المستمر للمقاولة.


وهنا لعبت مدونة الشغل دور مهم في حماية الأجير في مثل هذه الظروف والتخفيف من الأعباء الواقعة عليه (مع إعطاء الفرصة لأصحاب الاختصاص للنظر والتداول في هذه الواقعة)، ونذكر من ذلك المادة 66 من مدونة الشغل: “يجب على المشغل في المقاولات التجارية أوالصناعية أو في الاستغلالات الفلاحية أو الغابوية أو غيرها من المقاولات الصناعية التقليدية الذي يشغل اعتياديا عشرة أجراء أو أكثر والذي يعتزم فصل الأجراء كلا أو بعضا منهم لأسباب تكنولوجية أوهيكلية أو ما يماثلها أو لأسباب اقتصادية، أن يبلغ ذلك لمندوبي الأجراء والممثلين النقابيين بالمقاولة عند وجودهم قبل شهر واحد على الأقل من تاريخ الشروع في مسطرة الفصل …” وهنا اعتبر المشرع الفترة المتمثلة في شهر مناسبة لإيجاد حل بديل أوعمل آخر للأجير…
كما جاء أيضا في المادة 185 من مدونة الشغل “يمكن للمشغل للوقاية من الأزمات الدورية العابرة وبعد استشارة مندوبي الأجراء والممثلين النقابيين بالمقاولة عند وجودهم، توزيع المدة السنوية الإجمالية للشغل على السنة حسب حاجيات المقاولة … “
كما جاء في الفقرة الثانية من نفس المادة “لا يترتب عن هذا للأجراء أي تخفيض من الأجر الشهري ويمكن للمشغل بعد استشارة مندوبي الأجراء والممثلين النقابيين بالمقاولة عند وجودهم أن يقلص من مدة الشغل العادية ولفترة متصلة أو منفصلة” وذلك للحفاظ على حقوق الأفراد في الأجر من التعسف في حقهم من طرف المشغل.

وانتقالا إلى المادة 231 من مدونة الشغل “يستحق كل أجير قضى ستة أشهر متصلة من الشغل في نفس المقاولة أو لدى نفس المشغل عطلة سنوية مؤدى عنها، تحدد مدتها على النحو التالي، ما لم يتضمن عقد الشغل، أو اتفاقية الشغل الجماعية، أو النظام الداخلي أو العرف مقتضيات أكثر فائدة …” وهنا يمكن للمشغل اعتبار العطلة التي قضاها الأجير في هذه الظروف الصعبة (فيروس كورونا) عطلة مؤدى عنها أو عطلة عمل وذلك على حسب الاتفاق الجاري بين لأطراف كما ذكرنا بالمادة أعلاه.

وبين هذا وذاك، يبقى الضمير المهني والإنساني للمشغلين هو الفيصل الأساس في خضم هاته السيرورة.

الأجراء في زمن كورونا

الوسوم

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله