fbpx
تدوينة متصدرة

الجزء 3 | إفلاسُ الدول تحصيلُ حاصِلٍ لمديونية عشواء

سلسلة الاقتصاد | المديونية بين نهج الدول المتقدّمة والدول النامية

يُحكى أنّ دولة لاتينية تدعى الأرجنتين تخلّفت عام 2001 عن سدادِ دَيْن قيمته 93 مليار دولار وأعلنت بذلك إفلاسها، رغم أنها حاولت تفادي ذلك من خلال خوصصة بعض من شركاتها الحكومية؛ كشركتَيْ الطيران والاتصالات مثلا. غيْر أن الأمر لم ينفع في أداء ما عليها من التزامات مالية. وفور إعلانها ذلك، تسارع المستثمرون الأجانب والمحليّون في سحب رؤوس أموالهم من الأرجنتين، و لسنتين متتاليتيْن؛ توقفت الاستثمارات الأجنبية عن التدفق إلى الداخل، تضخمت الأسعار بنسبة 40% وتراجع الاقتصاد الأرجنتيني بنسبة 11% فانحسر معه الدخل الفردي إلى أكثر من النصف.

نعم إنها الأرجنتين التي كانت في سنوات الحرب العالمية الأولى واحدة من أقوى عشر اقتصادات في العالم، واستطاع اقتصادها تحقيق نسبة نمو جاوَرَت 6 في المائة لأكثر من أربعين سنة.

ومن أمريكا اللاتينية إلى أوروبا وبالضبط إلى اليونان، التي تخلّفت هي الأخرى سنة 2012 عن سداد دين قيمته 138 مليار دولار، وهو أكبر مبلغ تتخلف دولة عن سداده في تاريخ البشرية. وقد تكرر سيناريو التخلف عن السداد سنة 2015 حينما عجزت اليونان عن تأدية ما عليها في ذمتها المالية اتجاه “صندوق النقد الدولي”، والتي قُدرت بمليار وسبعمائة مليون دولار، فاضطرت اليونان إلى بيع 60% من ميناءٍ هو الأكبر من بين موانئِها الاستراتيجية؛ فيما ارتفعت نسبة البطالة إلى ما يقارب 27% … حالةٌ من الركود عرفها الاقتصاد اليوناني، الذي لم يتعافى بعدُ من أزمته، مُصارعاً دوماً من أجل تحقيق نسبة نمو لا تتعدى 2%.

نعم؛ إنها اليونان التي ستبقى في أذهان العالم كأول دولة متقدّمة تعلن إفلاسها؛ وتجدر الإشارة هنا إلى أن اليونان ورغم كل محاولات الاتحاد الأوروبي، لم تجدْ حَلّاً لتجاوز أزمتها سوى الاقتراض مجدداً! (هو ليس حلا وإنما أمر واقعٌ فُرض عليها ولم تأخذ بعين الاعتبار نتائج الاستفتاء الشعبي الذي كان رافضاً لسياسة الاقتراض من جديد).

لقراءة الأجزاء السابقة من تدوينات سلسلة الاقتصاد

ومن أوروبا إلى آسيا، وبالضبط إلى سيريلانكا، وهي دولة نامية احتاجت المال من أجل إنجاز مشاريع تنموية كالطرق السيارة والموانئ والمطارات وناطحات السحاب، فعرضت عليها الصين إقراضها مليارات الدولارات، وقد فرحت بعرضها.

أُنجِزَت المشاريع في بضع سنوات وحانت آجال السداد، غير أن سريلانكا لم يكن في حوزتها مال تسدد به التزاماتها. وهنا وفقط، كشفت الصين عن حقيقة نواياها ومُنِحت حق السيطرة على جميع تلك المشاريع المنجزة؛ فكما قلنا في تدوينتنا الأولى، من لا يدفع من جَيْبه يدفع من جِلده. وهذا بالفعل ما حدث! لقد أحكمت الصين قبضتها على مشاريع في أرض أبناء سيريلانكا!

إن الدين الداخلي وإنْ كان يؤثر على السيرورة الاقتصادية وسيولة الفاعلين، فإنه يبقى أقل ضرراً من الدين الخارجي!

وفاء أبجمة

ولم تكن سيريلانكا وحدها ضحية فخ المال الصيني وإنما هنالك دول أخرى قبلت التعامل مع التنين العملاق، مثل باكستان، جنوب أفريقيا، مصر، غينيا، وماليزيا، غير أن هذه الأخيرة قد فطنت لنيّة الصينين؛ حيث رفض  مؤخرا الرئيس محمد مهاتير تمويل الصين لمشاريع ضخمة في ماليزيا، وقد قال جملة تلخص الهدف الخفي من سياسة الاقتراض بالنسبة للدول أو المؤسسات المقرِضة: “لا نريد نسخة جديدة من الاستعمار”.

إن الدين الداخلي وإنْ كان يؤثر على السيرورة الاقتصادية وسيولة الفاعلين، فإنه يبقى أقل ضررا من الدين الخارجي، الذي يُفقِدُ السيادة كتحصيل حاصل لسياسة استدانة عشوائية… الدين الخارجي -بالنسبة لي- هو قبول تسبيق (Avance) في وطنٍ ننوي بيعه!

أظن أيها القارئ العزيز أنه بعد قراءتك التدويناتِ السابقة وهذه التدوينة بالضبط، قد تساءلت عن وضعية المديونية في المغرب، وقد أربكك الشك إذا ما كان سيناريو الأرجنتين واليونان وسيريلانكا ينتظرنا… كل تلك الأسئلة ستجد إجاباتها في موعدنا الأحد القادم بحول الله .. فقط؛ اصبرْ لأسبوع ونعطيك أرقاما دقيقة عن الوضع..!

يُـتبـع…

يسعدنا استقبال تفاعلاتكم وردودكم وتعليقاتكم على سلسلة تدوينات الاقتصاد من خلال خانة التعليقات أسفله ؛ أو عبر مراسلتنا على البريد الرسمي المدونة [email protected]
يمكنكم أيضاً مراسلتنا قصد نشر مساهماتكم وتدويناتكم على البريد نفسه مع صورة شخصية وصفة المدون.

كل التحايا من فريق مدونة زوايا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله