fbpx

الحداثة موضوعاً للتفكير

تظهر عادة في الحقل الاجتماعي بما فيه أيضا الحقلان السياسي والاقتصادي مفاهيمٌ تبدو ذات حمولة إيديولوجية يصعب استيعابها بشكل مرن؛ لا سِيما مع وجود فضاء عالمي يتسم بالتناقضات والتفاوتات والاختلافات في شتى المجالات. لذلك فبروز الحداثة كمفهوم لم يكن سدّا منيعا أمام أصوات تنادي بالنقد وأخرى بالتأييد.
في منتهى البساطة، تبدو الحداثة مجموعة من القيم راكمَتها الإنسانية من خلال تطوّرها، غير أن هذه البساطة سرعان ما تختفي ونصطدم لا محالة أمام زخم الفكر والتنظير، حيث ترتبط فكرة الحداثة ارتباطا وثيقا بفكرة العقلنة أو بعبارة ماكس فيبر بالتعقيل “L’intellectualisation”. إذ تعُود الإرهاصات الأولى لولادة مفهوم الحداثة إلى المجتمع الغربي الذي حقق قصَبَ السبق إلى ذلك انطلاقا مع فلاسفة عصر الأنوار وامتداداً إلى الثورات الفرنسية والإنجليزية.
من دون شك أن بعض المفكرين إن لم نقل أغلبهم ربطوا فكرة الحداثة بالتعقيل؛ ويعود ذلك لسبب يعتبر رئيساً يرتبط بشكل وثيق بالرغبة في رفض المذهب العقائدي، حيث أزمة التنوير تعود بالنسبة لهم بشكل مباشر إلى العقل الديني الذي لا يدع مجالا للإبداع والنقد والتفكير، وبالتالي فإن الحداثة تعترف بتطور العقل مما يجعلها منفتحة وقادرة على جعل النقد نظرية في المعرفة خارج المسلّمات والبداهات والتصديقات. لذلك فإن الإيديولوجيا الحداثية تؤكد على موت الذات الفاعلة قبل كل شيء، نظرا لكون الحركة المهيمنة في الفكر الغربي السائد آنذاك، منذ القرن 16، هي حركة مادية، كان يجري دائما اعتبار اللجوء إلى الله والإحالة على الروح، ميراثا لفكر تقليدي يتعيّن تدميره.
قد يثور الاعتقاد ونحن نسترسل في توصيف فكرة الحداثة أننا إزاء تشريح للعلمانية، بيد أن بيْن هذه الأخيرة والحداثة بونٌ شاسعٌ يكمن في كون الحداثة تستوعب العلمانية وتتجاوزها في آن واحد، فالعلمانية تضع حدا للدين داخل النسق السياسي بشكل منفصل، بينما الحداثة تتسرب إلى السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي. وبصرف النظر عن هذه المقارنة البسيطة فإن الحداثة تخضع هي الأخرى لاعتبارات تعد أساسية ومحورية في عملية التحديث أو بعبارة آلان تورين “فاعِلو التحديث”، إنهم فاعلون أساسيون يُجملهم على النحو التالي:
1- الأمة؛ باعتبارها تمثل التناظر بين وحدة سياسية وبين ثقافة، يوضح كيف أن المجتمعات الحديثة المصنعة، هي في حاجة إلى ثقافة وطنية أي ثقافة مصنوعة من طرف الأمة ومن أجل مجاوزة للثقافات التقليدية والمحلية التي تقاوم التغيرات. 
2- المقاولة؛ باعتبارها إنتاجا فعالا للإجابة على الحاجيات التي تعبر عن نفسها في السوق ولا يمكن أن تقوم بذلك إلا من خلال تنويع الاستثمارات والتجديد التقني للنشاط الاقتصادي أي العقلانية الاقتصادية. 
3- الاستهلاك؛ ويسميه الاستهلاك الجماهيري له ثلاثة مظاهر، يعقب إعادة الانتاج الفيزيائية والثقافية تكون جماعات منصهرة جديدة أو قبائل، وتحل محل التراتبية الاجتماعية للاستهلاك أي ولادة المستهلك الذي يمثل في نفس الوقت هدف مقاولة الإنتاج، الأمر الذي يحدد التلميذ أو الطالب في المدرسة أو الجامعة، المريض في المستشفى، جمهور التلفزيون… 
4- التقنية؛ باعتبارها تضمن التواصل بين مختلف العوالم الثقافية.

وبغض النظر عن كل ما سبق فإن الحداثة بدورها لم تسلَمْ من سهام النقد، الأمر الذي يستدعي الإحاطة بجزء من النقاش الفكري الذي انصب على المفهوم، وفي هذا الصدد إذا كانت الحداثة تبدو مناهضة للفكر الديني التقليدي. ألا يمكن فسح المجال لتحديثِ الدينِي في أفق تجاوز الإشكالات التي تعتريه؟ 
إن استحضار بعض الأطروحات لفكرة الحداثة بمكوناتها المتنوعة والمختلفة، بل والمتصارعة يفترض حتما الوقوف عند الفكرة التي يدافع عنها جون جاك روسو، فالبنسبة إليه “فالفكرة التي مفادها أن الحداثة سوف تقود من تلقائها نظاماً اجتماعيا عقلانيا”؛ تصير فكرة غير مقبولة لديه، نظرا لاعتباره أن المجتمع ليس عقلانيا والحداثة تُجَزّئ أكثر مما توحد، الشيء الذي يضرب في صميم السيادة الشعبية.
في مقابل ذلك، يرى نيتشه أن ما هو مطلوب التمسك بإرث التنوير على النحو الذي بيّنه فولتير ولا سيما فيما يتعلق برفض المسيحية، ويتابع أطروحاته هاته بقلب القيم الذي يعلن عنه محل التكيف مع النظام العقلاني للعالم بتمجيد الإرادة والهوى. هذا دون أن نهمل الطرح الذي يدافع عنه إيمانويل كانط الذي يسير في اتجاه يسمح بفسح المجال للدين في حدود العقل بشكل توافقي باعتبار الحداثة يمكن أن تشمل حتى المجال الديني، وجوهر فكرته هاته إرجاع الدين إلى الأخلاق وتأسيس الأخلاق على العقل وفق مقاييس عملية يصبح الإنسان، ككائن عقلاني هو منبع الأخلاق، والأخلاق هي مصدر الدين. من هنا فهاجس كانط هو عقلنة الممارسة الدينية باسم أخلاق عقلانية جوهرها الحرية، والدين هنا هو الدين العقلي. وهو الأمر نفسه الذي سار عليه باروخ اسبينوزا كما أبداه في كتابه ‘رسالة في اللاهوت والسياسة’، قائلا “لو أردنا أن نضمن سلامة الدولة فيجب أن نجعل من التقوى والدين مقتصرين على ممارسة العدل والإحسان كما يجب أن ينصبّ تشريع السلطة العليا في المجالين الديني والدنيوي على أفعال الرعايا وحدها وأن يترك لكل فرد حريته في التفكير والتعبير”. من هنا، تبدو فكرة اسبينوزا واضحة تتأسس على حداثة سياسية تقوم على عقلنة النظرة للدين.

على سبيل الختم، تبقى الحداثة رصيداً من قيم أفرزَها الفكر الإنساني قابلة للنقد والتأييد؛ فأمام النقاش الفكري الذي استطعنا أن نلامس جزءا منه، يبدو أن إعادة الاعتبار للإنسانية والسير قدُما لا يمكن أن يتم خارج نطاق التحديث، غير أن تقييم الإيديولوجيا الحداثية بيَّن مكامن الخلل التي تسير في اتجاه الارتفاع بوتيرة متسارعة؛ الشيء الذي فتح المجال لحجج كافية لنقد فكرة الحداثة إن لم نقل رفضها وذلك في شكل نزعاتِ “ما بعد الحداثة”، فلنُعلّق آمالنا على الزمن الذي سيبين مدى حُجِّية هذا الطرح من عدمه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله