fbpx

“الحمّام الشعبي”.. فضاء اجتماعي يرسّخ ثقافة المجتمع المغربي

الحمام في الثقافة المغربية

كثيرةٌ هي القراءات حول هذا الموروث الشعبي، وكيف وصل إلينا، والأدوار التي لعبتها الثقافة المغربية في تطوير هذا المنتوج ليصل إلى مرتبة المنتوج المغربي الخالص (100%مغربي). 

الحمام الشعبي هو ذلك الفضاء الشعبي الذي تجده في كل حي من أحياء المدينة، هو فضاء للاغتسال- مقومات حمام ممتاز هو مدى توازن درجة حرارته والفضاء-، غالبا ما يتكون هذا الفضاء من ثلاثة مستويات؛ المنطقة الأولى وهي الأقل حرارة وهي الأولى بعد بهو الاستقبال، المنطقة المتوسطة من حيث الحرارة، والأعلى حرارة وغالبا ما تكون مباشرة عند موقد النار (الفُرْناتْشي) يفصلها حائط لا غير. وأظن أن حمامات الرجال كما حمامات النساء في الغالب، والتفاصيل التي أوردتها أو سأضيفها في القادم هي حول حمامات الرجال، وكل اختلاف مع حمامات النساء فإني أجهله!! 

الحمام الشعبي هو ليس مناسبة للاغتسال فقط، في هذا المكان غالبا ما تُنسج علاقات اجتماعية قوية، علاقة اقتصادية بين الكْسَّال والزبون، علاقة مبنية على ليونة طريقة الكسال في الحك واستخراج الأوساخ، علاقة أخرى قد تنسج بين اثنين قوامها تبادل الأدوار في الحك، يحك طرف ظهر الآخر ويتبادلان الأدوار بعد ذلك، علاقة أخرى لا تقل أهمية، التسول من داخل هذا الفضاء، ويبقى الشامبوان أو الصابون البلدي أكبر المستلزمات التي تُطْلب. وختاما، لدينا التضامن الجماعي والذي يكون غالبا عندما يفقد أحد المستحمين وعيه جراء الحرارة المفرطة وعدم قدرته على التحمل.

إن أبرز ما أثارني وما زال يثيرني في الحمام الشعبي المغربي هو التلاحم الأسري، تلاحم على مستويات عدة، المستوى الأول وهو كثير المصادفة في الحمام الشعبي، آباء يصطحبون أبناءَهم إلى هذا الفضاء، أطفال صغار في حدود الخامسة فما فوق إلى حدود الخامسَ عشرة سنة كأقصى تقدير، مهمة الأب هي أن يغسل أبناءَه من ألِفِهم إلى يائِهم ، فتجده يعتني بهم واحدا واحدا إن كانوا كُثُراً، وضع الصابون والحك وغسل الجسد والشعر وغيرها من طرق الاغتسال في هذا الفضاء، ويتركهم  بعد الانتهاء منهم لينهمك في الاغتسال الذاتي. وهنا لا بد أن أشير إلى أن أغلب الأطفال الذين يتركهم آباؤُهم دون مراقبة داخل الحمام الشعبي إما أنهم يقومون بتضييع الماء عبر سكبه على أجسامهم غير ما مرة، أو أنهم يتمرنون على التزحلق في القاعة الأولى الأقل حرارة. المستوى الثاني من التلاحم الأسري هو اصطحاب الإبن لأبيه إلى الحمام الشعبي، ولعل الأب غالبا ما يكون أوهن العظم فيه واشتعلَ رأسه شيبا، ولعلها أبهى وأروع الصور التي تجسد التلاحم الحقيقي للأسرة وهو اعتناء الأبناء بالآباء، وهو في حقيقة الأمر استمرار للمستوى الأول مع تبادل للأدوار.

إن المحلل للحمام الشعبي سيجده فضاءً اجتماعيا صِرفا، الفضاء الذي تلتقي فيه مكونات المجتمع باختلاف مشاربها لكنَّ همها واحد؛ ألا هو الاغتسال، إزالة العياء وتجديد النشاط.

وأنا أكتب هذه التدوينة، تذكرت مشاهد عشتها من داخل هذا الفضاء، لكن كلها مقبولة بالنظر إلى طبيعته، أخطر مشهد هو أني فقدت وعيي جراء الحرارة المفرطة وحالتي المرضية آنذاك، أما أغرب مشهد فهو موقفٌ صادفته يوم كتابتي التدوينة، عندما أدَّيت ثمن تذكرة الحمام وانتظرت أن تمدني “الحاجَّة” بالتذكرة وإذا بها تمدني بقطعة غيارٍ (randil) تستعمل في الميكانيك.

“اش هذا الحاجة” قلت في استغراب.

“بي تعطيه للي شاد الرزامي” ردت بلكنة مراكشية.

طوال الاستحمام بقيت أتساءل كيف يمكن لقطعة غيار أن تكون رمز الولوج والأداء؟! عند المغادرة سألت من أخذها مني عن دور هذه القطعة، قال إن “الحاجة” تقدمها كعربون الأداء ومن لم يقدمها لي فإنه لم يؤدي واجب الاستحمام فأطرده. 

” ومن جاء بها من الخارج؟” سألته.

“اصبر مع الحاجة، وانا شغلي”.

هكذا إذن هو الحمام الشعبي المغربي، هكذا يستطيع المغربي أن يخلق السعادة في حدود 13.5 درهم، نعم 0.5 المضافة هي قيمة الصابون البلدي الذي يكفي رجلا واحدا في غسلة واحدة، أما النساء فلا أدري، وما أعلمه في عالمهن أن لهن طقوسا خاصة، نعم طقوسُ الغناء والرقص التي وصلتني أصداؤُهُ حينما كنت في الصالة الثالثة أتصبب عرقا من فرط الحرارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله