fbpx

الزواج .. قرار القلب أم العقل؟

من ينظر إلى الواقع الأُسَري في المجتمعات حاليا باختلاف أعراقها وثقافاتها، وما تكدست به المحاكم الأسرية من ملفات الطلاق، وكذلك ما تعانيه كثير من الأسر من جفاء الأزواج والصراع الدائم الناتج عن تفاوت تفكيرهم واختلاف نظرتهم للحياة وماينتج عن ذلك من مشاكل لدى الأبناء، يستصعب أمر الزواج خاصة المقبلين عليه من ذكور وإناث…فلِمَ يرجع ذلك؟ للعاطفة أم العقل؟ 
يقول سبحانه في كتابه الشريف: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً“ (الروم: 21)، فبدون الرحمة والمودة لا يمكن الحديث عن زواج… ذلك الرباط المقدس والميثاق الغليظ الذي يستوجب اتّحاداً وترابطاً بين الرجل والمرأة على جميع المستويات سواء الدينية أو الفكرية أو الجسدية أو العاطفية، ليشكل بذلك كيانا واحدا يستمد طاقته وقوته من المودة والرحمة اللتين تحملان في طياتهما التقدير والاحترام المتبادل فتخلق البيئة السليمة لتربية ثمرة هذا الاتحاد في ظل أسرة متماسكة؛ ألاَ وهي “الطفل”.
أين نحن من هذا كله؟ هل أصبحت لدينا أهداف أخرى تقرر مصير هذه المؤسسة؟ هل هي الغريزة التي تدفعنا للزواج أم الشوق لذلك الاتحاد ما يحركُنا للبحث عن شريك الحياة؟ هل الحب مايضمن ديمومة الزواج أم أن للعقل حديثا آخر؟

الزواج سُنّة الحياة؛ وبالتالي وجَب وضع الأساس السليم له، أساسٌ لا يعتمد على العاطفة دون العقل ولا العقل دون العاطفة؛ فالقلب لا يستطيع أن يحسم الأمر بمعزل عن العقل.

حين تعيش الفتاة أو الشاب قصة حب قبل الزواج فإنها تكون مليئة بالأحاسيس والعواطف وتظهر فيها كل معاني الإعجاب بالطرف الآخر، فالقلب يدق لكن العقل غافل تماما عن دراسة شخصية الطرف الآخر، فتظهر بعد الزواج العيوب لدى كليهما وتسقط الأقنعة… في هذه الحالة يبدأ المنطق في أداء دوره مفكرا ومُعيداً النظر في الأمر؛ ليرى أن الحياة تحولت لجحيم لا يطاق. أما مَن يفضل الزواج التقليدي القائم على مستوى التوافق المادي والاجتماعي وغيرهما من الأمور فيختار شريكة حياته التي رسمها بعقله دون مراعاة للمشاعر والعواطف، بعد الزواج يجد أنه حقق جانباً من جوانب الحياة الزوجية غاضّاً النظر عن الجانب المعنوي فتبدأُ بذلك رحلة البحث عنه..
لا يمكن التسليم أن زواج القلب أنجَحُ من زواج العقل أو العكس، مع اعتبار ذلك حقيقة مؤكدة؛ لأن كليهِما قابلان للفشل أو النجاح؛،فالأمر متوقف على مقومات هامة يجب توافرُها في الزوجين ليستمر الزواج؛ الحب وحده ليس كافيا كما العقل لخلق التراحم والود، فيفشل زواج العقل بسبب انعدام الحميمية والألفة وقد يفشل زواج الحب بسبب غياب الفكر المتزن. 
من جهة أخرى، هناك من يتزوج لإشباع رغباته حلالا طيبا أو لإشباع غريزة أبُوَّته أو أُمومتها .. والأفظع من ذلك تلك التي تلقي بنفسها إلى التهلكة لكي لا تُنعت بالعانس وتعيش حياة مظلمة تعيسة في مجتمع معاق، مجتمعٌ أعاقَ فكرها.
الزواج لا يحتاج عمرا بل يحتاج قرارا صحيحا وإحساسا مريحا فكل واحد منا مسؤول عنه.. لأنه قرار مصيري يغيّر مجرى الحياة فيصعد بنا لأعلى المراتب أو يلقي بنا في شباك الذل والهوان.. واتخاذ قرار كهذا لا ينبثق من رغباتٍ وشهواتٍ مؤقتةٍ ولا من نوايا معجونة بالخبث والأنانية، لذا وَجَب على الرجل أو المرأة اعتماد القلب والعقل معا.. فالقلب مصدر الحب والرحمة، والعقل منبع الحكمة، والميثاق الغليظ بحاجة لكِليْهِما لضمان سيرورته.

بما أنني فتاة تبلغ من العمر خمساً وعشرين سنة؛ عروسٌ في نظر البعض وربما عانسٌ في نظر البعض الآخر، فإنني مسرورة بنفسي، لا تنتظروا زواجي لتفرحوا فأنا لن أتزوج إلا حين أجد رجلا يرتاح له كياني.. الزواج ليس ثوبا سأرميه في ختام المسرحية… الحب الذي لا يرحمني ليس حبا بل شقاء من نوع آخر يحميه المجتمع ببطانة سميكة ويصُمّ أذنيه عن عيوبه بتصفيق حاد لمن انضم إلى قطيع المتزوجين. وَلَوْ نُزِعت الأقنعة لوجدنا نصف المتزوجين تُعَساء نتيجة سوء الاختيار والتسرع في القرار، وأنا لا أرغب في أن أن أكون مثلهم؛ لن أُزهِرَ في سن معين بل سأزهر مع رجل معين، رجل بكل ما في الكلمة من معنى… رجلٌ اجتمع قلبي وعقلي معا في اختياره ليَكون دِرعي الواقي ضد كل ما هو خارجي ومؤذٍ، وسأكون درعه الداخلي من تقلبات روحه على جسده؛ سأحمل عنه الكثير، يكفي أن يأخذ ما يحزنني على محمل الجد، يؤذيه غيابي، يقرأ كلماتي بقلبه ويستشعر ألمي، يخاف عليَّ من أثر كلماته وينظر لي كأنني أغلى ما يملك..

  لا تتزوّجوا من أجل الزواج فقط! لا تستعجلوا؛ فالتَّأني في الاختيار سلامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله