fbpx

الصيام وقود التدوير الذاتي

معطيات علمية صِرفة عن فوائد الصيام

أبو الطب الحديث، “أبقراط”، وفي إحدى نظرياته وصف كل إنسان وكأنه دكتور طبيعي، عنده القوة على علاج نفسه بنفسه، حينها وضح أنه عندما تأكل وأنت مريض، فأنت بذلك تساهم في تغذية المرض لا علاجه. ومن هنا تبدأ فكرة الصيام وآثاره، فعلى سبيل الذكر الفيلسوف “فلوطرخس” رأى أنه من الصواب أن تصوم يوما إذا كنت مريضا، عوض أخذ الدواء فأنت بذلك ساهمت في تصدي جسمك للمرض .

وإذا سافرنا عبر التاريخ، سنجد أن العديد من الفلاسفة والعلماء، وكذا الحكماء في مختلف العصور، استنبطوا من الصيام وسيلة لنقاء الذهن وزيادة التركيز. فقد كان من بين الشروط للولوج إلى أهم مدارس الحكماء أمثال “فيتاغورس” هناك في كورتون الإيطالية صيام أربعين يوما، كما أن العديد من الفلاسفة ك“سقراط” و “أفلاطون” كانوا يصومون من 7 إلى 10 أيام في الشهر. وتتعدد أسباب الصيام؛ فمنها ماهو لسبب صحي أو علاجي، ومنها ماهو لسبب سياسي اجتماعي كصيام “المهاتما غاندي” ل 21 يوما بهدف توضيح وإظهار معاناة الفقراء والمساكين.
إضافة إلى ذلك، فكل الديانات تتميز بشكل من أشكال الصيام، كصوم رمضان بالنسبة للمسلمين والصوم الكبير عند المسيحين، وكذا الهندوسية والبوذية وغيرها، فللصيام فوائده وآثاره التي لا يتنازع فيها اثنان وبذلك وجب ذكرها.

في بداية الأمر، جسم الإنسان يعتمد على طرق وأساليب عمل منظمة، بل وأجهزة مركبة ومعقدة لضمان استقراره واستمراره، إذ وعلى مستوى التغذية، يتفاعل الجسم بنظامين متناوبين ومختلفين لتوفير الطاقة الكافية لتوازنه:

فالأول يعتمد بالدرجة الأولى على الطاقة الآتية من خارج الجسم وذلك عبر التغذية، إذ يقوم من جهة بحرق الكمية المطلوبة لعمل الخلايا، ومن جهة أخرى بتخزين الفائض في شكل دهون خصوصا على مستوى الكبد والعضلات.
– في المقابل، يعتمد الجسم من خلال النظام الثاني على حرق الطاقة المخزنة داخل الجسم خصوصاً في فترة الصيام والامتناع عن الأكل، مما يحفر هرمونات الليباز Lipase التي تساهم في تحليل الدهون المخزنة وبالتالي استخراج الطاقة الكامنة فيها.

توازن الجسم واستقراره يعتمد مبدئيا على التوازن بين هذين النظامين، فتارة هذا وتارة ذاك. لكن، ومع كامل الأسف، عدم احترام الإنسان لطبيعته الربانية تكبح ميكانيزمات النظام الثاني وتسرع وتيرة الاول، فبناء على النظام الغدائي اللاوعي و الغير المنظم الذي ينهجه الشخص في حق ذاته، تتعزز مصادر التخرين مما لايسمح للجسم بتنظيف نفسه و اصلاحها.

من جهة أخرى، وفي دراسة أجريت على مستوى جامعة الملك سعود، على مجموعة من الشباب قبل و خلال شهر رمضان، ثم استنتاج أن الصيام يزيد من اليقظة والانتباه.
وفي دراسة أخرى بجامعة اوتريخت في هولندا، استخلص إلى أن الناس تستطيع أخذ قرارات أحسن في المواقف المعقدة والتي نتائجها غير واضحة وهذا بنسبة كبيرة في فترة الصيام أو عدم الأكل. وتجدر الإشارة إلى أن الصيام يحفز هرمون BDNF الذي يشكل عاملا أساسيا للمخ من أجل إنتاج خلايا جديدة وشابة قادرة على العمل والإنتاج.

في سنة 2016، تمكن عالم الأحياء “يوشونيري أوسومي” -الحائز على جائرة نوبل لنفس السنة- من اكتشاف أن الجسم عندما لا يجد مصدرا خارجيا للطاقة (الأكل) فإنه يحفز عملية “الالتهام الذاتي Autophagy”، وذلك عن طريق تدمير الخلية لمحتوياتها وتقوقعها داخل غلاف بهدف إعادة تدويرها وبالتالي تجديد الخلية وعودة شبابها.
إضافة الى ذلك، عالم البيولوجيا ودكتور علم الوراثة “ديفيد أندرو سنكير” أكد أن مجموعة من البروتينات تسمى “sirtuins” تقوم في فترة الصيام بإصلاح المشاكل والأضرار التي حصلت على مستوى الحمض النووي الريبوزي (ADN) والتي قد تؤول إلى الشيخوخة المبكرة المؤدية للموت.

فوائد الصيام الصحية أو البدنية أو حتى النفسية لاحصر لها. لذلك وخصوصا عند الإفطار، وجب الانتظام في الأكل لكي لا ترتفع نسبة الأنسولين في الدم بشكل كبير نتيجة الإفراط في الأكل وبالتالي تكون الدهون، زد على ذلك عدم الإحساس بالشبع لأنه وفي هذه الحالة سيكون الشبع مرتبط ارتباطا وطيدا بامتلاء المعدة عن آخرها وليست عملية الشبع الفطرية المبنية على وصول الكليكوز لمركز الشبع في المخ.

ففي إحدى الدراسات في جامعة فيينا ثم اختبار إفراز هرمون “الجريلين” المسؤول عن الإحساس بالجوع، فتبين أن هذا الهرمون يكون في أقل مستوياته عند انتهاء فترة الصيام و يكون مرتفعا في الأوقات التي اعتاد الإنسان الأكل فيها، وبالتالي هو هرمون يتأقلم وبشكل كبير مع مواعيد أكل الشخص بذاته وليس ناتجا عن نقص في الطاقة أو فراغ في المعدة. وإذا أسقطنا هذه التجربة على الواقع فإن الصبر لمدة ساعة بعد الإحساس بالجوع يؤدي إلى انخفاض مستويات هذا الهرمون و بالتالي اختفاء الإحساس بالجوع.

إن الوقوف على هذه الدراسات لا يعني أن جسم الإنسان في غنى عن الأكل، بل هي إشارة إلى أهمية الصيام ومدى وجوب الإهتمام به، وكذا الاتزان والتوافق في الوجبات الغذائية بتحديد الكم والكيف وبذلك التوقيت.

الوسوم

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله