fbpx

الطلاق.. إلى أين -1-

الطلاق من منظور الزوجة

تمهيد:
عمل الشرع الحكيم على تنظيم الأسرة لما لها من دور في استقرار الجنس البشري وتطوره فهي الخلية الأصل لكل فرد داخل المجتمع، يؤدي حفظها وصونها إلى تقدمه داخل مجال يحكمه الترابط والتماسك والقدرة على إعداد الأبناء للحياة الاجتماعية.

ولا تقوم الأسرة في المجتمع الإسلامي إلا على الزواج، وهي العلاقة التي على أساسها تقوم وتبنى كافة العلاقات الأسرية الأخرى. والزواج فعل قانوني يضع الزوجين تحت التزامات شرعية واجتماعية لكل منهما تجاه الآخر، ويكونان علاقة يرضى عنها الدين والقانون ويقرها المجتمع وتحدد على أساسها علاقة الزوجين ببعضهما وبغيرهما متضمنة تحديد الواجبات والحقوق والوظائف والأدوار الخاصة بكل منهما، ويتوقف ثبات الزواج واستمراره على مدى التفاهم والتوافق ومدى التكيف بين الزوجين. وبالرغم من أن الأسرة تتكون في بدايتها من زوجين يعيشان معا لتحقيق الاستقرار والارتباط العاطفي، إلا أن لكل منهما احتياجاته وقيمه الخاصة، ونتيجة لهذا الاختلاف تكون إمكانية الصراع قائمة، وبالتالي يبقى احتمال الطلاق قائما.
ويعتبر الطلاق الحلقة الأخيرة في سلسلة المشكلات الأسرية والتفكك الأسري، وبالرغم من ضرورته أحيانا عندما يصبح الوسيلة التي لا مفر منها للهرب من توترات الزواج ومتاعبه ومسؤولياته، إلا أن هذه الضرورة لا تمنع الضرر إذ يبقى سببا لكثير من المشكلات لجميع أفراد الأسرة، وقد يحتاج الأفراد إلى زمن طويل للتكيف والعودة للحياة الطبيعية .

وقد تزايدت أعداد الطلاق بشكل مهول مع نهاية الحجر الصحي، وهو الأمر الذي كان لزاما على جل الباحثين القانونين إعطاء هذا الموضوع حيزا من الاهتمام والدراسة .
وسنعرض في هاته السطور دراسة لما بعد طلاق الزوجة، سنكشف معا دوافع هذا الطلاق وكيف تفكر الزوجة في الطلاق، ومامنظور ودور الإعلام في ازدياد حالات الطلاق.


الفقرة الأولى : الطلاق من منظور الزوجة
نتسائل في هذا الشأن : كيف تبني المرأة قناعتها الجازمة بالطلاق؟

أولا: يعمل عقل المرأة بطريقة لولبية، بحيث أنها تستطيع أن تستحضر الأحداث حسب نقاط التقاء معينة، ولذلك فإنها عندما تقول: لم أر منك خيرا قط، كما ثبت في الحديث، تكون صادقة مع نفسها، فهي في تلك اللحظة لا يستحضر عقلها إلا تلك الأحداث التي يجمعها ذلك الرابط الذي استدعاه ذلك الخلاف، فتختزل سنوات الزواج في تلك المواقف، فلو عشت معها عشرين سنة وحدث بينكما عشرون صراعا، وهو رقم قياسي في قلة الخلافات، فإنها تستطيع في لحظة الغضب أن تسرد العشرين حادثة باتصال وكأن حياتها معك عبارة عن صراعات، تفعل ذلك بدون قصد سيء، أو ترتيب مسبق، بل هي طريقة عقلها في التفكير، بخلاف الرجل الذي يعمل عقله بطريقة الصناديق، فيفتح لكل موضوع صندوق مستقلا، لا يفكر إلا فيه، ولا ينتقل منه إلى غيره إلا إذا أغلقه، وبالتالي فإن لحظة الخلاف تجعل المرأة تقرأ تاريخها قراءة سوداوية، إنها تصل بسهولة إلى معادلة: الطلاق خير من هذه الحياة البئيسة.

ثانيا: تعيش كثير من الزوجات واقعا مريرا ولا تجدن الواحدة منهن حلا لذلك الواقع، مما يجعلها تشعر بالاختناق يوما بعد يوم، بسبب تسرب قدرتها على التحمل، وعدم وجود محطات تنفيس، فينتهي مخزون الصبر لديها، وبالتالي فإنها بدل أن تعيد ترتيب أسرتها عبر إجراءات معينة أشار إليها القرآن مثل تدخل الطرفين للإصلاح {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا} (الآية 35 من سورة النساء) أو التنازل عن بعض أسباب الخلاف، والتي أشار إليها قوله تعالى {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} (الآية 128 من سورة النساء) فإنها تلجأ إلى المحكمة من أجل طلب الطلاق، وتبدأ في الإجراءات التي تشبه تحريك قطعة الدومينو في متتالية السقوط، فيسقط الدومينو الأول ليدفع الذي بعده وهكذا تشعر المرأة أن الأمور تتسارع، وتتحول إلى جبل كبير من المشاكل، وتتداخل أطراف القضايا وينشط شياطن الإنس وتتحول المسألة من خلاف بين شخصين إلى خلاف بين مجموعة أطراف، وبالتالي فإنها تشعر في كثير من الأحيان بضغط نفسي سببه فقد السيطرة على الأمور، لذلك فإن محاولات الإصلاح تواجه واقعا متسارعا، وتشنجا متزايدا، وشركاء متشاكسين، فتصبح رغبتها في إنهاء هذا المسلسل، والخروج من هذا الصراع في أسرع وقت، ولذلك بدل أن تكون المحكمة طرفا في تخفيف المشكلة، تصبح طرفا في تأجيجها، وتتحول جلسات الصلح إلى حلبات تنازع وتراشق، فكيف يكون صلح داخل جدران محكمة؟ هكذا يفكر عقلها الباطن.

ثالثا: عندما تقرر المرأة الطلاق فإنها تحتاج إلى تضامن من حولها، خصوصا أن الطلاق سيكون له آثار وخيمة عليها وعلى أطفالها، لذلك فإنها تبدأ في محاولة كسب التأييد من الأقارب وخصوصا الوالدين والأخوة، وتبدأ في حشد دعمهم من خلال شيطنة الزوج، وتهويل الواقع الذي كانت تعيش فيه، لأنها بحاجة ماسة إلى مساندتهم، وبالتالي إلى إقناعهم باستحالة العيش معه، خصوصا أن الجميع سيلومها إن تضرر الأولاد، فلا بد إذن من بناء قاعدة من التضامن من خلال الصورة القاتمة لهذا الزواج، وهنا تحصل المفارقة العجيبة، حيث إن الزوجة قد تغير موقفها بعد فترة من الطلاق، وتحن إلى بيت زوجها وتحتاج إليه رغم كل ما سبق، وهنا يصبح المساندون لها معارضين لخطوتها في الصلح، بمنطق: “كيف تعودين لذلك الجحيم الذي وصفته لنا” وبمنطق ” تريدين أن نصير أضحوكة أمام الناس” فتصبح مضطرة إلى تكذيب نفسها ونسف أقوالها، وهو ما يجعلها مضطرة أحيانا إلى التعايش مع الطلاق على أن تقف موقف السفيهة أمام أهلها، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في التفاتة عجيبة إلى دور الأهل في منع الزوجة من الرجوع إلى زوجها، قال تعالى {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ } (الآية 232 من سورة البقرة)؛ قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها (تفسير ابن كثير).

رابعا: تبدأ المرأة في تعزيز قرارها من خلال دراسة ما يسمى تحليل الشخصية، والغريب أن كثيرا من المطلقات كلهن اقتنعن بأن الزوج شخصية نرجسية منحرفة، وكلهن شاهدن عشرات الفيديوهات وقرأن عشرات المقالات، وكل ذلك ضرب من التخمين، لأن هذه التصانيف ما زالت في أغلبها نظريات، وتحتاج إلى تخصص عميق وآليات علمية لكي تصل المرأة إلى حكم معين على شخصية زوجها، ولكن لأنها أصلا قررت الطلاق، فهي تلصق تلك الأوصاف بزوجها كي تحول قرارها من قرار عاطفي إلى قرار حكيم مدروس بعناية في نظرها، وبالتالي فإن كلمات مثل: تحرري، انطلقي، ثوري، طيري، تصبح هي المحرك الخفي لموقفها، ولذلك فإنك ترى على ملامحها ثقة عجيبة وصرامة غير مفسرة.
ومما يدهشني دائما، أن الثقة التي تكون عليها المرأة في حال طلب الطلاق قوية لدرجة أنك لا تظن أن هذه المرأة ستتراجع أو أنها ستندم يوما ما، ولكن ما إن تقضي سنتين أو أكثر في الطلاق، حتى تجد ذلك القرار قد تحول في كثير من الأحيان إلى ندم وحزن، وأن تلك العزيمة قد خمدت أو تحولت إلى حقد ومعركة لا متناهية من خلال الأطفال.

خامسا: عندما تقرر المرأة الطلاق، فإنها تجد دعما نفسيا كبير من أبالسة الجن وأبالسة الإنس، وأهم دعم يقدمونه لها هو “الخطة ب” ما بعد الزواج، فتبدأ المرأة عبر مراحل طويلة في إعداد تصورها لمرحلة ما بعد الطلاق، فيحدثونها عن الدراسة أو العمل أو السفر أو الزواج أو الاهتمام بالنفس والتكوين والأعمال الاجتماعية والتنمية البشرية وغير ذلك، ولعلك ستلاحظ أن كثيرا من المطلقات هن الزبون الأول لمسوقي التنمية البشرية، إذ تحاول أن تعيش حياة ناجحة في نظرها، ولكن تبقى الفطرة دائما تبحث عن ذلك النقص كي تعوضه، لأن الإنسان لم يخلق ليعيش وحده.
فيكون دور شياطين الإنس والجن أن يساعداها ويدعماها في خطتها البديلة ويرسمان لها عالما بدون مشاكل، وهنا سر الخطأ، فالطلاق ليس انتقالا من مشكلة إلى حل، وإنما انتقال من مشكلة إلى مشكلة أخرى، وهنا ينبغي أن تدرك المرأة خطر انتقالها من مشكلة معلومة المخاطر إلى مشكلة مجهولة الأبعاد والمخاطر، وإلى مشكلة محدودة الأبعاد إلى مشكلة غير محدودة الأبعاد، وهو ما لا يمكن للمرأة وحدها أن تحسبه، فالمرأة تفكر أكثر في اللحظة الآنية وفي المشكلة الحالية كيف تتخلص منها، أما ما يحدث بعد ذلك، فتتعامل معه بشيء من التفاؤل الكبير.

سادسا: إن المبالغ الضخمة التي أصبحت تصرفها المحكمة للمرأة المطلقة والتي تشمل سكناها ونفقة أطفالها، أصبحت من أهم ما يشجع المرأة على المضي في هذا الطريق، فتحولت هذه المبالغ إلى محفز خفي، وبالتالي فإنها تتصور أن ما ستأخذه من مال سيكفي ليجعلها تعيش حياة بدون مشاكل، لكن الواقع يثبت دائما أن المرأة مهما كانت فهي بحاجة إلى زوجها، أب أطفالها، وأن تربية الأبناء مستحيلة من طرف واحد، فقد اقتضت حكمة الله أن الطفل يحتاج لين الأم وصرامة الأب، وإلا فسدت طباعه وتغيرت أخلاقه.

سابعا: لا تدرك المرأة الفرق الجوهري بينها وبين الرجل، فهو يستطيع أن يخرج من هذه العلاقة ليبني أسرة جديدة وأطفالا آخرين، أما هي فقد تكون استنفذت شبابها في تكوين هذا البيت وتربية هؤلاء الأطفال، ولذلك فإن ما بقي من العمر هو بالنسبة للزوج مسؤولية ودين في عنقه، فإذا خرجت هي برغبتها من هذا الزواج، فكأنها حررته من هذا الالتزام الأخلاقي أمام أسرته وأمام دينه وأمام القانون، ولذلك حرم الله عز وجل على الرجل أن يضر بزوجته من أجل أن تطلب الطلاق، قال تعالى {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} (سورة النساء – الآية 19)، قال ابن قدامة في المغني: فأما إن عضل زوجته، وضارها بالضرب، والتضييق عليها، أو منعها حقوقها من النفقة، والقسم، ونحو ذلك؛ لتفتدي نفسها منه، ففعلت، فالخلع باطل، والعوض مردود، فعلى المرأة أن تخطط لفترة الشيخوخة، وهل تستطيع أن تعيش أيامها الأخيرة دون زوج؟
كما يجب الحرص أشد الحرص على دعاة تفكيك الأسر الذين انتشروا بمقاطعهم المصورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي والذي يعتبر عامل بدوره ساهم في ارتفاع أعداد الطلاق.

يتبع…

الطلاق.. إلى أين -1-

الوسوم