fbpx

“الفعل السحري” القراءة وأفعالها المتعددة

عن شغف القراءة

القراءة قبل كل شيء هي إدراك حسي لرموز الخط، يعني نقوم بتفكيك السند الذي يتكون من رموز وعلامات عن طريق تشغيل الجهاز العصبي. فالقراءة تبدأ أولا بالعينين “أكثر حواسنا حدة هو نور العين”… وكان القديس توما الأكويني يقول عن البصر: إنه أهم الحواس التي تستطيع الحصول عبرها على المعرفة. مما يفسر أننا لا نستطيع القراءة في الظلام، ففك الرموز يحتاج إلى الضوء، فمن باستطاعته القراءة وعيناه يغطيهما السواد والظلام ؟؟ وبالتالي فالعين مرتبطة بالضوء. القراءة تخرجنا من الظلام إلى النور.

ماذا عن قولنا أن القراءة عبارة عن محادثة، والمحادثة هي عملية التواصل بين طرفين أو أكثر بغرض نقل المعلومات والأفكار والآراء. لكن هناك نوع آخر من المحادثة وهو الذي يقوم به المجانين، حوار وهمي يتردد صداه في مكان ما في أذهانهم، فالقراء أيضا يتورطون بحوار مشابه يستفزهم بصمت من خلال الكلمات التي على الصفحة وفي الغالب لا يدون القارئ ردود أفعاله، لكن أحيانا تنتاب قارئا ما الرغبة بإمساك القلم والتواصل مع هذا الحوار بكتابة الهوامش على النص. لذلك كثيرا منا تعجبه قولة أو فكرة ما في النص فيكتبها على الهامش ويضع سطر أو سطرين تحتها (السحر) أو نقوم بالتعليق على ذلك النص (أحداثه، شخصياته، لغته…)؛ شخصيا أقوم بذلك إذا أسرتني فكرة أو فقرة، أضع علامة تميزها وأكثف مضمونها بجمل قصيرة تختزل المعنى، بل أحيانا أكتب رأيي (التعليق) فيكون إما الإعجاب بذلك العمل الأدبي وإما الامتعاض وأقول: “هذه الرواية لم تعجبني لن أعيد قراءتها، أقصد لن يكون هناك حوار بيني وبين ذلك النص”، فكتابة الهوامش أو التعليقات توسع النص وتضيف دلالات ومعاني أخرى.

هناك قولة لمونطيني مفادها “الكلام نصفه لمن يتحدث، ونصفه لمن يصغي”. وهذه القولة تنطبق على القراءة باعتبارها حوارا، لكن الحوار معرض إلى سوء الفهم، أن تقرأ معناه أن تسيء الفهم، فالقراءة هي سوء فهم يعني أن ترى في النص ما لم يقصده الكاتب أو أن تود تصحيح ما ورد فيه. إن سوء الفهم يضفي قيمة جديدة على النص لأنها قراءة مغايرة وبالتالي تطور العمل الأدبي.

أقرأ يعني أقاوم، مقاومة ماذا؟ مقاومة الحياة، الصعوبات والعوارض الممكنة اقتصاديا، مهنيا، نفسيا، عاطفيا، مناخيا، عائليا، منزليا، ثقافيا… فالقراءة الذكية تنقذ الإنسان من كل شيء حتى من نفسه. مثل النقيب كاستانون الذي عثر مصادفة على كتاب محظور فقرأه طول الليل وفي الصباح استقال من الجيش ورفض أن يأخذ قرشا واحدا من حكومة فرانكو. ماذا عن ذلك السجين الذي يعيد لمرات غير معدودة قراءة رواية “الأم”، وبورخيس فاقد البصر رأى النور في الكتب؛ فالقراءة أنقذته من الظلام. “من يدري أيها الصديق العزيز؟ قد لا نكون، أنا وأنت، إلا أداة تساعد القارئ على اكتشاف نوره الداخلي الخاص من يدري؟”.

القراءة هو ذلك الفعل المريح، المنعزل والهادئ والحسي ولكنه فعل مقلق، القراءة لا تنفصل عن القلق ويظهر ذلك عندما نريد إنهاء قراءة رواية أو قصة معينة إنها فكرة مرعبة، عدد الصفحات بدأت تقل إنه العد التنازلي. ماذا لو مددت القراءة، حسنا سأقرأ فقط عشر صفحات في اليوم، “عندما كنت طفلا كانت فكرة إنهاء قراءة رواية تؤرقني، فكنت أؤجلها ما أمكن كي أمدد التلذذ وأظل بالقرب من الشخصيات. عند نهاية القراءة كنت أحس بانتزاع قوي، وافتراق عنيف، وفطام إن أمكن القول”.
قرأت سابقا رواية “الأشجار واغتيال مرزوق” لعبد الرحمن منيف، عدد صفحاتها 378، عندما وصلت إلى خاتمة الرواية، شعرت بضيق وقلق وانزعاج لأنني وشكت على إنهاء الرواية. وضعتها جانبا لأمدد مدة القراءة وفي نفس الوقت أشتعل فضولا وشوقا لمعرفة النهاية، أنهيت الرواية وتنهدت سأشتاق لمنصور عبد السلام الذي يشاركني حب القراءة ” أقول لكم إني أحب القراءة كثيرا لدرجة أن الكتاب بالنسبة لي يعادل رجلا والكتاب الجيد يعادل أكثر من ذلك” وإلياس نخلة الذي علّمني الكثير.

ذكرت الفضول، القراءة عبارة عن فضول قاتل وهو لا يفرض وإنما يتم إيقاظه كيف ذلك؟ ليس بشرح المفردات ولا بتحليل النص ولا بإشارات تتعلق بالسيرة الذاتية وإنما يكون بالتصالح مع القراءة، ألا نطلب شيئا بالمقابل أي شيء إطلاقا، ألا نقيم أي سور معرفي مسبق حول الكتاب أن نمنع أنفسنا من الكلام مطلقا عن الكتاب. الكتاب والقارئ فقط لوحدهما( حوار، ثقة، همس، تفاهم، سوء تفاهم، عداء، محبة، فضول، لعب…) كل قارئ له الحق في أن ينعزل مع كتابه ويعيش معه بكل جوارحه، أن يحبه، أن يكرهه، أن ينهي قراءته أو يضعه جانبا، القفز على الصفحات، أن لا يتحدث عنه يخفي سره، سحره، أن يُبحر في دلالاته ويكتشف معاني أخرى، له الحق في الاستباق والتأويل وأن يختار النهاية التي تعجبه.

“حين كانت لوثيّا بيلايث صغيرة جيدا قرأت رواية وهي تحت الأغطية. قرأتها جزءاً بعد آخر، ليلة بعد أخرى… مع مرور الأعوام، سافرت لوثيّا بعيداً، سارت على الأحجار في نهر أنتوكيا بحثا عن الأشباح وبحثا عن البشر، مشت في شوارع مدن عنيفة، وفي مسار أسفارها كانت ترافقها دائما أصداء تلك الأصوات البعيدة التي سمعتها بعينيها حين كانت صغيرة. لم تقرأ لوثيا الكتاب مرة أخرى لم يعد بوسعها أن تتذكره، لقد نما في داخلها بحيث تحول الآن إلى شيء آخر إنه هي الآن”. من كتاب المعانقات لإدواردو غاليانو (وظيفة القارئ 1).

كما رأينا مع لوثيّا، القراءة سفر مريح تحت غطاء السرير، سفر مجاني بدون مقابل وعندما أعود إلى بيتي بعد سفر، أقصد عندما أنهي القراءة لا أعود ذلك الذي كنته قبل القراءة بل أصبح شخصا آخر تلقى خبطة على جمجمته كما يقول كافكا “إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا بخبطة على جمجمتنا فلماذا نقرأ إذا الكتاب؟”.
 إلى جانب السفر هناك فعل الخيال، لقد علمناه كل شيء عن الكتاب في ذلك الزمان فتحنا عينه على التنوع اللانهائي للأشياء الخيالية وعرفناه على فرح السفر العمودي وجعلناه يغطس في عزلة القارئ المسكونة بتعدد عجيب كانت القصص التي كنا نقرؤها له تعج بالأخوة والأخوات وبأسراب ملائكة وفرق أصدقاء، فيتخيل كيف هم هؤلاء الإخوة والأصدقاء شكلهم، ملامحهم السعيدة والحزينة، ملابسهم، أمكنتهم، كيف يتحركون، لقد أصبح بدوره كقارئ ملاكا حارسا لهم فبدونه لا وجود لعالمهم، بدونه كان عالمهم سيبقى حبيس سماكة عالمه. وهكذا اكتشف الفضيلة المتناقضة للقراءة وهي فضيلة تجردنا عن العالم كي نجد له معنى. القراءة عند دانيال بناك فضيلة ماذا عن فاليري لاربو القراءة تلك الرذيلة التي بغير عقاب.

للقراءة بعد آخر هو ذلك النشاط الإبداعي الذي يجعلنا من كل الأوجه إنسانيين، القراءة تؤنسن الإنسان تجعلنا أكثر إنسانية، نصبح أكثر تضامنا بقليل مع الجنس البشري أي نصبح أقل توحشا، لكن لا يجب أن نقع في فخ أن القراءة إلزام أخلاقي وأن كل شخص لا يقرأ هو “وحش”، فالقراءة ليست إلزاما أو التزام أخلاقي. أستحضر مثالا حول أن القراءة تجعلنا إنسانيين وتغيرنا، “بافل” شخصية ورقية نجدها في رواية (الأم)، هذا الشاب قبل أن يحمل معه كتابا إلى الدار كان فظا مع والدته ويعود إلى منزله ثملا لكن الأمر تغير عندما بدأ يقرأ الكتب وهذا ما لاحظته والدته (صارت حركاته أكثر حرية واتزانا وتصرفاته أكثر بساطة وأقل شراسة) يرتب سريره ويساعد أمه بتنظيف أرض الغرفة (إن أحدا من الرجال الآخرين في الضاحية لم يفعل ذلك أبداً) وشرع يخاطبها باحترام أكثر (يا أماه) ويتوجه إليها في كثير من الحنان والرأفة.

إضافة إلى ما قلناه حول القراءة هناك فعل آخر ملازم لها وهو التأويل، لا توجد قراءة بدون تأويل فالقارئ يتسلح بأداتي التأويل والفهم ليشارك في عملية إنتاج معنى النص، وكلما تعددت القراءات تعددت التأويلات لذلك تتجلى سلطة القراءة في التأويل اللانهائي عكس سلطة النص (التأويل النهائي). هذا التشارك والتفاعل في إنتاج المعاني والدلالات بين النص الأدبي والقارئ، كيف يتحقق؟ وهل يحق للقارئ أن يؤول النص كما يحلو له؟ بعبارة أخرى كيف ينبغي أن نقرأ النص الأدبي؟ ما هي شروط ومقاييس القراءة؟ ما هي حدود التأويل؟ لماذا نقرأ؟ وماذا نقرأ في النص الأدبي؟


المراجع:
ألبرتو مانغويل: تاريخ القراءة، يوميات القراءة
عبد الفتاح كيليطو: بحبر خفي
دانيال بناك: متعة القراءة

الوسوم

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله