fbpx

الفلسفة.. رحلةٌ بعيدة عن الأوهام

إن البحث عن ماهية الفلسفة سؤال سيؤدي بك إلى إلى طريق مسدود دون أي نتيجة، تائها في عالم لا بداية ولا نهاية له!

الإجابة عن هذا السؤال حتما ستشعرك بالدوران، حيث يوجد من الأجوبة بقدر ما يوجد من الفلاسفة، هناك من عمل على تخصيص كتاب كامل لهذه المهمة مثل دولوز في كتابه “ما هي الفلسفة “: الفلسفة نشاط نعمل من خلاله على “إبداع المفاهيم”؛ لكن سرعان ما تقرأ كتابا آخر يغيب هذا التعريف، فإذا تطرقنا إلى تعريفها مع تطور الحقب نجد اليونان والرومان يعرفانها بأنها عبارة عن فن العيش لبلوغ السعادة والفضيلة والوصول إلى الحقيقة (الأبيقوريين والرواقين الشرق).

فالفلسفة ليست عملية رياضية تقوم بجمع أعداد لتصل إلى نتيجة مطلقة لا تتغير رغم تغير الأماكن والأزمنة والأشخاص،والفلاسفة ما هم إلا مفكرون موسوعيون يدرسون الميتافيزيقا والرياضيات، الوجود، العدم، الزمن، الروح، الفلك، الطب، والعلوم الإنسانية بشكل عام. 

الفلسفة من حيث تعريفها العام، كي نخرج على الأقل من زحمة التعاريف، ماهي إلا أداة للسؤال الذي يثير ويستفيق به العقل، فكل جواب ما هو إلا هدم تجاوز ونقد، فالسؤال أهم من الجواب؛ كارل ياسبرز قال عنها: “الفلسفة لا تبحث عن الأجوبة، بل تسأل وتبحث عما تطرح”.

عندما تكون المشكلة هي طريقة تفكيرنا ونظرتنا للأمور فإن الأمر يختلط ونقع في دائرةٍ لا مخرج منها؛ دائرة محيطة باختلاف الدوغمائية، فنبحث عن الأدوية والعلاج للخروج من هذا الداء بأقل مخلفات أو دون ترك مخلفات؛ لذا أومن بالعلاج بالفلسفة، كما جاء في كتاب للمفكر المغربي سعيد ناشيد المعنون “التداوي بالفلسفة” : الفلسفة تعرض علينا زاوية تقلل معاناتنا ولا يمكن أن تحميها، فإذا ضاق عالمنا ليس بالضرورة أن يضيق عالمك الداخلي والمعرفي، لندع توقعاتنا جانبا فالواقع في شتى الأحوال ضدها؛ افهم أنك ما عليه الآن وهذا ما تملكه أما الماضي والمستقبل لا يزيدانك إلا عذابا وضياعا.. تعلم قيادة السيارة، نحتاج إلى تعلم الحياة، لنتعلم كيف نحيا ونموت، فالقدر ليس ثابت الأركان بإمكانك أن تغيره كما فعل الآخرون. 

عندما تسقط لا تسلك الطريق مرتين قد تدمر ما عليه وما هو آت، فسَلْكُ نفس الطريق موت آخر. لذا تصدق هنا قولة: الفلسفة سُم للعوام ودواء للخواص”.

القول بأن الفلسفة خارجة أو منسلخة عن الحاضر والزمن، أجاب عنه نيتشه ب “الفلسفة بنت زمانها “، والادعاء بأنها لا تنظر ولا تبث بأي صلة مع حاضرنا ما هو ادعاء آخر !!! وإذن كيف لنا أن نقطع علاقة الأم بأبنائها؟ كيف لها أن تنسلخ من حاضرنا وصلبها وغذاؤها السؤال الحي .

ميرلوبونتي يعطينا كيف أن الفلسفة تنبثق من لحم الحاضر وليست لها قطعية مع العالم، وهذا لا يعني أنها انطباق معه، بمعنى ليست تبحثُ عن تحليل علاقتنا بالعالم ولا تفكيكها، نحن لا نعرف بل نؤمن بقدرتنا. فالفلسفة نفسها إيمان إدراكي صميمها سؤالٌ موجه لما لا يتكلم فينا… مزيج بين المتكون من العالم ومنا الذي يسبق التفكير، أثناء تفلسفنا نحن نطلق العنان للاستيقاظ من غموضنا وليس من بداهتنا، فالسؤال -الفاجعة الأولى- من هذا الشيء الذي نحن؟ ما العالم؟ أين نوجد…؟ فلكل واحد منا “عالم خاص” ولكن عوالمنا الخاصة ليست العالم المشترك، فالتفلسف ليس أن نضع الأشياء موضع شك بإسم الكلمات، فاللغة نفسها “عالم كينونة”. 

الفلسفة ليست تحليلا لسانيا بل أكثر من ذلك، فالكلام لا يدور حول ما نعرف فقط بل حول ما لا نعرف: لا تبحث عن الأجوبة بل تؤكد دهشتنا، الفلسفةُ الحقُّ هي تلك التي تسأل تجربتنا للعالم كما هو قبل أن يكون شيئا؛ يتحدث ميرلوبونتي أن الفيلسوف من يحفظ على العالم بداهته، بل على العكس من ذلك هو من ليس في وسعه سوى أن يؤدي إلى “خسرانها” وتحويلها هي ذاتها إلى لغز قائم الذات. لذا لا يمكننا أن نجعل اللغة قادرة على أن تتكلم عن ما يصوغ صمتنا في داخلنا “اللغة لا تحيى إلا بالصمت…ا”

 إذن، فالفلسفة شغف التأسيس وإعادة التأسيس والبناء، وحتى عندما يقوض الفيلسوف ما سبقه من عمارات فلسفية ويكون لكل واحد مهمة بناء عمارة فلسفية جديدة. إن السؤال عن ماهية العلم يعود للفلسفة وليس للعلم وكذلك الفن يعود للفلسفة وليس للفن… وحدها الفلسفة التي تؤسس غيرها وتطرح تأسيس ذاتها بذاتها، لذا فالسؤال هو سؤال فلسفي بامتياز ولا يمكن الإجابة عنه إلا بعد فترات طويلة. 

مستقبل الفلسفة رهين بتظافر الجهود المبذولة من لدن كل من المرأة والرجل على حد سواء، فالإنتاج الفلسفي يجب أن يمتاز  بقيم الاختلاف ومبدإ العطاء. الفلسفة طريق يقودنا إلى رحلة بعيدة عن الأوهام .. ورحلة غير مأمونة النتائج.

الوسوم

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله