fbpx

القضاء الدستوري وقضائية السياسة “ج 1”

قضائية التنافس ونقاش السياسيين

تعتبر العلاقة بين القضاء الدستوري والبرلمان دقيقة ومعرَّضة للتوتر، فالحساسية لدى البرلمانيين تجاه القضاء الدستوري موروثة، وقد ازدادت نتيجة التحول في المفاهيم. تحول يلخص بالتأكيد أن القانون لا يعبر عن الإرادة العامة إلا إذا كان متطابقا مع الدستور، ما استدعى تقيد البرلمان في عمله التشريعي بما نص عليه الدستور، وقد لعب القضاء الدستوري دورا أساسيا في رفع مستوى النقاش في البرلمان، فالقواعد والمبادئ التي تمخضت عنها اجتهاداته ألزمت البرلمانيين بالتقيّد بها إلى جانب التزامهم بإرضاء ناخبيهم والرأي العام؛ وهذا ما شكل عنصرا إيجابيا في مجال تطوير الأداء البرلماني.
في هذا المقال – الذي تقرؤونه ضمن 3 أجزاء – محاولةُ استقراء طبيعة دور القضاء الدستوري في رفع مستوى الأداء التشريعي للفاعلين.

أولًا: قضائية التنافس ونقاش السياسيين

ارتفع الجدل في الأوساط القانونية والسياسية، حول طبيعة القضاء الدستوري، بالنظر لما يؤديه من مهام، تدخل جزئيا في العملية السياسية، بما تنتجه من آثار؛ إذ يتميز عمل القاضي الدستوري بأنه ذو أبعاد سياسية، وإن جاز لنا التعبير، هو “عمل قانوني بآثار سياسية”.

إن الرقابة والتفسير الدستوري اختصاصات ذات طابع قانوني، وبجانب ذلك فإنها تتميز بأنها ذاتُ أثر سياسي يظهر في مجال الحياة السياسية؛ ويرجع ذلك إلى طبيعة النصوص القانونية موضوع الرقابة والتفسير ومكانتها في السلم القانوني. وهذه أمور تؤدي إلى ردود فعل الفاعلين ضد القضاء الدستوري، مع الأخذ يأن العمل القضائي لا يمكن أن ينفصل عن الواقع السياسي، فإن التساؤل حول شرعية القضاء الدستوري يكمن في كون مراقبة دستورية القوانين تجعل المجالس الدستورية في وضع المشارك في وضع المشارك في العملية التشريعية، فإعلان مطابقة القانون للدستور أو إلغاء القانون أو فقط بعض مقتضياته لتعارُضها مع النص الدستوري، تجعل القانون وفي الحالات الثلاث غير معبر عن الإرادة العامة إلا بعد مراقبته من قبل القاضي الدستوري.

كما أن الاعتراف بالقضاء الدستوري له أهمية شكّلت -ولا يزال- مدار خلاف أو قلق في علاقته بالبرلمان وحامت الإشكالية حول: كيف يمكن لهيئة دستورية أعضاؤها منتخبون من قبل البرلمان وليس من قبل الشعب أو مُعيّنون من قبل سلطات دستورية، وغير مسؤولين أمام أي سلطة وأمام الشعب، كيف لهذه الهيئة أن تمارس رقابة على عمل تشريعي من اختصاص ممثلي الأمة ذات السيادة، المنتخبين بالاقتراع العام، والمسؤولين أمام الشعب؟ كيف لهيئة معينة أن تراقب من عيَّنها أو من انتخبَها؟، وهذا ما دفع به بعض البرلمانيين، في صراعهم مع القضاء الدستوري، إلى القول “نحن نمثل الشعب، بينما هم أي أعضاء المحاكم والمجالس الدستورية، يمثلون رجال السياسة أو أكثرية برلمانية أوصلتهم إلى مواقعهم”.

العلاقة بين القضاء الدستوري والبرلمان دقيقة ومعرضة للتوتر، فالحساسية لدى البرلمانيين تجاه القضاء الدستوري موروثة، وقد ازدادت نتيجة التحولِ في المفاهيم. تحول تلخص بالتأكيد في كون “القانون لا يعبر عن الإرادة العامة إلا إذا كان متطابقا مع الدستور، ما استدعى تقيد البرلمان في عمله التشريعي بما نص عليه الدستور” كونه السلطة التأسيسية (Pouvoir constituant ) التي أنشَأت سلطة البرلمان كسلطة مؤسَّسَة (Pouvoir constitué). وهو ما تطلب مرجعية دستورية، بالإمكان العودة إليها للفصل في دستورية القوانين والبت في صحة انتخاب أعضاء البرلمان الممثل للشعب. مرجعية أنشأها الدستور نفسه كما أنشأ البرلمان، سلطتها مؤسسة كسلطته، ومناط بها مهمة صون السلطة التأسيسية المتمثلة بالدستور. هذه المرجعية ليست سوى القضاء الدستوري.

ما يزيد من قوة قرارات القضاء الدستوري أنها لا تقبل أي طريقة من طرق الطعن، من الناحية المبدئية؛ فهي نافذة حين صدورها، والسلطات في الدولة ملزمة بتنفيذها، غير أن الدستور في النمسا والبرتغال -مثلا- منح البرلمان صلاحية إقرار النص الذي أبطله القضاء الدستوري وذلك بأكثرية برلمانية موصوفة، ما يحد من فاعلية الرقابة على دستورية القوانين ويجعلها خاضعة في النهاية لإرادة البرلمان الذي تتحكم في قراراته عامة موازينُ القوى السياسية ومصالح الأحزاب أكثر مما تتحكم فيها المبادئ والقواعد الدستورية.

من جهة ثانية، يمكن تجاوز قرارات القضاء الدستوري عن طريق تعديل الدستور بما يتلاءم مع النص القانوني الذي جرى إبطاله، أي تطويع الدستور لصالح القانون، أو الذهاب أبعد من ذلك وتقليص صلاحيات القضاء الدستوري، غير أن تعديل الدستور يمر عادة بآلية معقدة، ويتطلب أكثرية برلمانية موصوفة في معظم الأنظمة، واستفتاء شعبيا في معظم الأنظمة، ما يجعل تجاوز قرارات المجلس الدستوري من طرف البرلمان أمرا صعب المنال.

من جهة ثالثة، قد تقود المواجهة بين القضاء الدستوري والبرلمان الى لجوء القضاء الدستوري الى الرد على محاولة تعديل الدستور، للإلتفاف على قراراته، وذلك بالنظر في دستورية التعديل الدستوري نفسه قياساً على مبادئ فوق الدستور “principes super-constitutionnels“. وهذا ما سبق وهددت به المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأميركية، وما نفذته المحكمة العليا في الهند عندما قررت، في العام 1967، أن تعديلا دستوريا طبقا للمادة 393 من الدستور لا يمكنه المس بحق أساسي، غيْرَ أن البرلمان الهندي، في المواجهة مع المحكمة العليا، اضطر الى تعديل المادة المذكورة في الدستور، والقضية نفسها تكررت في العام 1975.

إن وظيفة المراقبة الدستورية، تجعل من المجالس الدستورية مشاركا في مسلسل خلق القانون سواء تعلق الأمر بنموذج المراقبة القبلية أو البعدية، مما يطرح معه سؤال الجهة التي اتخذت فعليا القرار بشأن النص القانوني: هل البرلمانيون (السياسيون) أم القضاة الدستوريون؟

يُـتبــع …

القضاء الدستوري وقضائية السياسة “الجزء 1”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله