fbpx

المائدة وسؤال الإصلاح

قراءة في فيلم المنصة The platform

ظهرت الطبقات الاجتماعية مع ظهور المدينة والمجتمع، ويستخدم مفهوم الطبقة الاجتماعية social class للدلالة على مجموعة من الناس، تتشابه في جملة من الخصائص الاجتماعية والثقافية التي تميزها عن غيرها من الجماعات المكونة للمجتمع خصوصا ما يرتبط بالجوانب الاقتصادية والمعيشية، لترتيبها ترتيبا هرميا. وصراع الطبقات الاجتماعية هي نظرية تفسر القضايا والتوترات في مجتمع مُنقسم إلى طبقات، كل طبقة تقاوم من أجل وضعها الاجتماعي والاقتصادي؛ ظهر هذا المفهوم في القرن التاسع عشر لدى بعض المؤرخين الفرنسين الليبرالين من استعادة بوربون (وهي الفترة التي تلت أول سقوط لنابليون)، فرنسوا غيزو واوجوستان تييري، وأدولف تيير وفرنسوا اجوست مينيه، هم من استعار منهم كارل ماركس المفهوم الذي جعل منه ركنا أساسيا لفكره، الذي قال في البيانه إن تاريخ مجتماعاتنا كله ما هو إلا تاريخ الصراع الطبقي.

ينبني فيلم المنصة platform على نظرية الطبقات الاجتماعية وصراعها حول الموارد المادية المتمثلة في مائدة تنزل من السماء مليئة بأشهى وأفخر المأكولات والمشروبات والحلويات أيضًا، عبر حفرة في سجن عمودي الشكل يتكون من العديد من الطبقات، كل طبقة بمثابة زنزانة، تحتوي كل زنزانة على سجينين، ويتم إنزال الطعام على طاولة بشكل تدريجي مرة واحدة في اليوم، ليأكل هؤلاء من في الطوابق الدنيا ما تبقى من الطعام الذي بقي عن الطبقات العليا والأعلى منها. الفيلم أعمق من قصة تدور في مكان مغلق، فهي في الحقيقة تتحدث عن المجتمعات المضطهدة التي تعيش تحت ربقة الاستبداد وماينتج عن ذلك في دواخل النفس البشرية. يقوم الفيلم الإسباني The platform أيضا على فكرة خوف الإنسان الأعظم على الإطلاق، وهو خوفه من فقدانه للحياة، وعلى غريزته الأولى التي فُطر عليها وهي غريزة البقاء، ويرينا مالذي يمكن أن يصل إليه الإنسان في سبيل دفع هذا الخوف عنه، وضمان بقائه على قيد الحياة، والصراعات الدونكيشوتية التي يخوضها في حياته من أجل البقاء.

يستيقظ غورينغ (إيفان ماساغويه) بطل الفيلم الذي دخل الحفرة طواعية ليحاول أن يقلع عن التدخين، ليجد نفسه في الحجرة رقم 48. بكاميرا مهزوزة يظهر تريماغاسي -الرجل الكهل الذي دخل السجن بسبب قتل غير عمد- يتوسط الكادر جالسا على أريكته وهو يبشر غورينغ أنه في طابق مرموق وأنه أمضى بعض الشهور في طبقات متدنية، تنزل المنصة وعليها بقايا الطوابق السابقة؛ تندهش الشخصية الرئيسية من شكلها ويشرع تريماغاسي في الأكل بكلا يديه وبشراهة ودوابية، بعدها يتبول على الطابق الذي بعده لأنهم طالبوهم بأن يتركو لهم بعض النبيذ في المرة المقبلة، في محاولة منه في الحفاظ على النظام لأن من بالأعلى أعلى ومن بالأسفل أسفل، فـ“..التلذذ في مهانة الانسان المستضعف والبطش به تحت ستار ممارسة وظيفة الحفاظ على الأمن، يشير إلى المرض العلائقي الذي ينخر بنية العالم المتخلف.” (1). هذه الشخصية تجمع جميع خصال المقت والأنانية والجشع التي يمكن أن تنطوي عليها النفس البشرية، (استعملها المخرج بعد وفاتها لإظهار الجانب الشرير من الإنسان)، شخصية تحاول أن تأخذ أكثر مما تعطي، تعطي مساحة كبيرة بينها و بين الآخر، تبقي نفسها في منطقة المراقبة وتستعمل نفس أساليب الافتراس التقليدية، إلى أن يحين وقت ضعف الآخر، دائما ما تظهر نفسها أنها قوية وأن لها شرعيات أسهلها تاريخي وهي في الحقيقة عكس ذلك، وهو ما حاول أن يطبقه تريماغاسي في أول الفيلم بحيث استعمله المخرج للتعريف بالسجن وأساليب البقاء ورسم الشخصيات وللتضخيم من التاريخ الفردي، “في ميكانيزم الدفاع تلتجئ الذات إلى الماضي وتحتمي به لتؤكد من خلاله وبواسطته شخصيتها ولذلك يعمد الإنسان إلى تضخميه وتمجيده مادام الخطر الخارجي قائما، أما في ميكانيزم النهضة فالإنسان لا يطلب الماضي لذاته بل يختزله في (أصول) يعيد إحياءها، علي صعيد الوعي كذلك، والانطلاق إلى المستقبل، تفكيراً وممارسة .” (2)

في الجزء الثاني من الفيلم سيستيقظ البطل في غرفة رقم 33 مع امرأة تصطحب معها في مدة سجنها كلبا وتتعجب من غورينغ الذي اختار أن يصطحب معه كتابا علما أن باقي السجناء يختارون السيوف والسواطير. إيموغيري هي الموظفة التي كانت توجه السجناء وتستقبلهم، اشتغلت مع إدارة السجن 25 سنة، دخلت للحفرة طواعية لأنها لم تستطع هزم مرض السرطان، ويظهر من خلال كلامها أنها لا تعرف الكثير من الأشياء الأساسية حول السجن أو “المركز العمودي للإدارة الذاتية”_ كما تحب أن تطلق عليه_ وما يدور داخله من تطاحن وأكل الناس بعضهم البعض، ويظهر ذلك جليا حينما سألها البطل عن عدد الطوابق وعن مصير القاصرين، ولكن الظاهر أن جل ما تعرفه الموظفة عن الحفرة أنه نظام يربي على التضامن العفوي بين السجناء، وتضيف قائلة: أنه لو أكل كل سجين حظه لأكل الجميع.
إن مشكلة العاملين مع النظام أنهم يرون الأمور من وجهة نظرهم الضيقة فقط ولا يكلفون أنفسهم النزول إلى الطبقات السفلى لتتسع الرؤية، ويعتقدون أنك عندما تنتقد نظاما ما فإنك تنتقد شخصهم، فبعضهم ينزل ويصلح وبعضهم يحاول كما فعلت إيمورغي عندما عاشت في السجن بتدريبها غورينغ على تفريق أنصبة الطابق الذي بعدهما وتعليمها له أساليب الثورة، ومنهم من ينزل و ينتهي بما انتهت به إيموغيري منتحرة (سياسيا) عندما علمت مصيرها الحقيقي بعدما استيقظت في الزنزانة 202.

استيقظ غورينغ في الجزء الثالث من الفيلم في الطابق 6، مستوى من المستويات المرموقة، رفقة باهارات السجين الأسمر. سينقلنا المخرج في هذه الطبقة إلى أجواء الطبقات البورجوازية المتعفنة الغارق سكانها في الأكل والجنس لا يهمهم من بعدهم ويتغوطون عليهم حرفيا. في هذا الفصل يحاول أن يجيب عن سؤال أزلي: هل المشكل أفقي أو عمودي؟ وهل الإصلاح يبدأ من الأعلى أو الأسفل؟ والظاهر من خلال الفيلم أن المشكل إذا كان في الهيكل العمودي فإنه يؤثر بشكل مباشر في البنية الأفقية للمجتمع، فتظهر فكرة قانون الغاب الذي رمز له المخرج بالحلزون؛ المخلوق الرخو ذو الصدفة الصلبة، لذيذ الطعم، وباهظ الثمن، قبل أن يؤكل يطهر مدة طويلة ولكنه في الأخير يطهى حيا على درجة حرارة مرتفعة.
استطاع غورينغ أن يقنع باهارات بالإصلاح العمودي لنظام الأكل بأن يوصلا الطعام بالتساوي إلى الطبقات تحت الخمسين حتى يستطيعا إيقاف القرف ولا يأكل أصحابها لحوم بعضهم “الثورات الحقيقية تنبع من القرف الحقيقي. حين تسوء الأمور كفاية، تقتل الهررة الأسد.” (3). في رحلتهما سيلتقيان بالرجل الحكيم و سيقوم بتوجيههما قائلا بأن السلوكيات الأساسية تأتي أولا، والإقناع قبل الهزيمة وإدارة السجن كيان بدون ضمير، والعاملون بالطابق 0 أي الطباخون من الممكن أن يكون لهم بعض الضمير لوقف المهزلة، ونصحهما باختيار طبق فاخر ليعود إليهم ويكون هو رسالة الاستغاثة، فكان الاختيار على حلوى الباناكوثا، ولكنهما حين وصلا لآخر طابق وجدا فيه طفلة صغيرة تتضور جوعا.
أنهى المخرج فيلمه بنهاية مفتوحة للطفلة وهي تصعد في المنصة رسالة للعالم بحق الإنسانية في العيش بكرامة.
_______________

(1) مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور
(2) محمد عابد الجابري
(3) Charles Bukowski, Love Is a Dog from Hell

الوسوم

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله