fbpx
تدوينة متصدرة

“المثلية” بين نداء الطبيعة وقهر الثقافة..!

يعيش العالم العربي بخصوص قضية المِثلية الجنسية تعارضاً جليّاً من خلال تكرار الاعتداءات على المثليّين في بلدان هذه المنطقة؛ فبينما المجتمع يرفض هذا السلوك، نجد الدين يُحرّم، والقانون يزجِر ويجرّم هذه العلاقات، أمام تفاقم الوضع وظهور حالات جديدة لمُعتنقي هذا التوجه الجنسي، الذي لا يستقيم القول بأنه وليد العصر، فالشّواهد على وجوده متواترةٌ عبر حِقب التاريخ البشري.. فقد كان الشاعر “أبو نوّاس” يصدح بقصائد صريحة عن المثلية الجنسية منذ النصف الثاني من القرن الثامن.

في الزمن الراهن، يتعرض المثليون العرب في مجتمعاتهم للاعتداء والعنف والتعصُّب والتمييز باسم الدين الذي يرى في المثلية الجنسية شذوذاً جنسيا وخروجا عن الفطرة.. بينما يصنفها أغلب العلماء وفقهاء الشريعة كخطيئة وجريمة يجب أن يعاقَبَ مقترفُها رجْمًا بالحجارة حتى الموت على يد حشد من المسلمين استنادا إلى قول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: “من وجدتُموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به”. للإشارة فإن قصة قوم لوط وردت في الكتاب المقدّس أيضاً، وتم تخريب جماعتهم بسبب ممارساتهم الجنسية المثلية، فقد جاء في سورة الشعراء {أتاتون الذُّكْران من العالمين}، وفي سورة الأعراف { إنكم لتاتون الرجال شهوةً من دون النساء بل أنتم قوم مُسرفون}. من هنا، إذن، ارتبط اسم قوم لوط بهذه الممارسة، وأصبح يطلق لفظ “لِواط” في الثقافة الشعبية العربية على أيّ ممارسة جنسية مثلية.

على صعيد آخر، وحسب البحث الذي أجرته “الرابطة الدولية للمثليين الجنسيين” في إطار حق اختيار التوجُّه الجنسي، في شهر يونيو 2017، فإن عديدَ الدول العربية تجرّم المثلية الجنسية وتفرض عقوبات على من تم التعرف على ميوله الجنسي المثلي، تتراوح بين الغرامات المالية والسجن، وصولًا إلى عقوبة الإعدام في دول كموريتانيا، ونيجيريا، والسعودية، والصومال، واليمن، والسودان، وإيران، وأفغانستان، والإمارات العربية المتحدة.

وفي ظل غياب جمعيات أو جهات محلية تحمي حقوقهم أو تتطرّق لقضيتهم، ولكون المثلية الجنسية غير قانونية في عديد من البلدان العربية؛ فإن نوادي المثليين ومقراتهم تُؤْثِر الابتعاد عن الضوء، كما يتم اللجوء إلى تنظيم جولات مثيرة للسياح المثليين في بعض البلدان العربية حسب بعض المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما أن هناك بعض الأعمال الأدبية، الصادرة من بلدان عربية، تعرِض شخصيات مثلية، منها الرواية الشهيرة “عمارة يعقوبيان” للكاتب المصري علاء الأسواني، حيث قُتل بطل الرواية في النهاية عقابا له على مثليته، ورواية “صافرات إنذار بغداد” للروائية ياسمينة خضر، وانتهت الرواية كذلك بقتل البطل المثلي، ما يعني أن نظرة العرب للقضية لا زالت محتشمة وتأبى القبول بها كواقع لا بد من التصرف تجاهه بسلمية وتسامح، وهذا يؤكد أن القبول بالتوجه أو رفضه مسألة تقاليد وأعراف بالخصوص.

وترى غالبية العرب هذه العلاقات أمرا غير طبيعي بالمرة كونُه معارِضاً للفطرة. وفي هذا الصدد يذكُر يوفال نوح هراري، دكتور في التاريخ، في كتابه “Sapiens” الذي بيعت منه أكثر من مليون نسخة، أن “الكثير من اليونانيين المعاصرين يعتقدون أن الانجذاب الجنسي للجنس الآخر فقط، وإقامة علاقات مع النساء على وجه الحصر هو جزء لا يتجزأ من كون الرجل رجلا، ويرون هذا الأمر كحقيقة بيولوجية وليس أمرا صادرا عن ثقافة ما، فيؤكد البعض أن العلاقة بين فردين من جنسين مختلفين طبيعية وبين فردين من نفس الجنس غير عادية، لكن في الواقع، فإن الطبيعة الأم لا تمانع إذا كان الرجال ينجذبون جنسيا إلى بعضهم البعض.”

يتساءل الكاتب، عن كيف يمكن التمييز بين ما هو محدّد بيولوجياً وما يحاول الناس تبريره من خلال الأساطير البيولوجية؟  فعلم الأحياء (أو البيولوجيا) بطبيعته يقبل مجموعة من الاحتمالات، أما الثقافة فقد تترك لنا بعض الاحتمالات وتفنِّد الأخرى، فكما تمكن البيولوجيا أفراد نفس الجنس من ممارسة الجنس فيما بينهم، فإن بعض الثقافات تمنع ذلك؛ ورَدَّ الكاتب على الذين يدّعون أن المثلية الجنسية غير طبيعية بقوله ” إن الثقافة تسعى إلى إثبات أنها تحظر فقط ما هو غير طبيعي، لكن من منظور بيولوجي محض، ليس هناك ما هو غير طبيعي، فكل ما هو ممكن هو بحكم التعريف طبيعي، والسلوك الذي يتعارض مع قوانين الطبيعة، ببساطة لا يمكن أن يوجد أصلا، لذلك لن يحتاج إلى حظر أصلا“.

ويشير الكاتب إلى أن مفهومي “الطبيعي” و”غير الطبيعي” لم يؤخذا من علم البيولوجيا، ولكن من اللاهوت المسيحي، فالمعنى اللاهوتي لـ”الطبيعي” هو كل ما يساير نوايا الإله الذي خلق الطبيعة، أي أن “الطبيعي” هو أن تُستخدم هذه الأعضاء للوظائف التي خلقت لها، وأي استخدام مخالف فهو “غير طبيعي”.

اِقــرأ أيضـاً على مدونة زوايـا

لكن التطور حسب يوفال، ليس له هدف محدد، فالأعضاء واستعمالاتها تتطور مع الغرض والحاجة، ولا يوجد عضو واحد في الجسم البشري يقوم فقط بعمله الذي قام به النموذج الأولي عندما ظهر لأول مرة منذ مئات الملايين من السنين، فالأعضاء تتطور لأداء وظيفة محددة، لكن بمجرد وجودها، يمكن تكييفها مع الاستخدامات الأخرى أيضا، ومَثَّل لذلك بكون أجنحة بعض الحشرات لم تظهر فجأة بهذه الدينامية التي هي عليها اليوم، فقد تطورت من أعضاء خدمت أغراضا أخرى.

ووفقاً للنظريات، فإن أجنحة بعض الحشرات تطورت من نتوءات على جسم هذه الحشرات كانت تستخدم لامتصاص أشعة الشمس وبالتالي تبقى الحشرة أكثر دفئا، وفي عملية التطور نمت هذه الأعضاء أكثر، ومكنتها من القفز وتجاوز العقبات، ثم استخدمتها للانزلاق، وكانت هذه الخطوة الأولى نحو بروز أجنحة مكنتها من الطيران بدل أن تستخدمها كألواح شمسية دون حراك؛ الشيء نفسه ينطبق على أعضائنا وسلوكنا الجنسي.

والجنس، حسب ما جاء في الكتاب، تطوُّرٌ، أولاً، لزيادة أعداد الساكنة والاستجابة لطقوس الإنجاب كوسيلة لتوسيع نطاق اللياقة والنفوذ والسيطرة، لكن العديد من الحيوانات تستخدمه الآن في العديد من الأغراض الاجتماعية التي لها علاقة محدودة جدا بإنشاء نسخ صغيرة من نفسها، فـ”الشامبانزي” -على سبيل المثال- يستخدم الجنس لاستئصال التحالفات السياسية وإقامة علاقات حميمية ونزع فتيل التوترات، فهل هذا غير طبيعي؟

ويختم الدكتور يوفال حديثه عن المثلية الجنسية بقوله إنه “لا معنى لذلك، عند القول إن الوظيفة الطبيعية للمرأة هي الولادة أو إن المثلية الجنسية غير طبيعية، فمعظم القوانين والمعايير والحقوق والالتزامات التي تحدد الرجولة والأنوثة تعكس الخيال البشري أكثر من الواقع البيولوجي”.

اليوم، بدأت العديد من المنظمات الغربية كالأمم المتحدة والبنك الدولي بالدفاع عن حقوق المثليين جنسيا في العالم العربي، كما وضعت الدول الغربية تعزيز حقوق المثليين وضمان حرياتهم هدفا من أهداف سياساتها الخارجية، فيما يراه البعض مؤامرة يقودها المستشرقون والغربيون لإنتاج الشذوذ الجنسي والترويج له حتى أصبح موضة في أوساط الشباب في ظل موجة العولمة التي تعيشها البلدان العربية حالياً.

لا يمكننا القول إن المثلية الجنسية قد ازدهرت بفضل جهود الغرب لحماية معتنقيها. في عالم اليوم، بفضل التكنولوجيا الحديثة والتطبيقات ووسائل التواصل، أصبح الإنسان على اطلاع بكل الأمور والتوجهات سواء الدينية أو الفكرية أو الجنسية، وبفضل هذه الوسائط، فإن المثليين يستطيعون إيجاد بعضهم البعض واختيار الأماكن التي يرتادونها بكل حرية، وبالتالي ازدهار هذا التوجه في سرية تامة بعيدا عن أعين السلطات والمجتمع.

جدير بالذكر أنه إلى جانب المثلية الجنسية، يوجد ما يسمى بـ”الثنائية الجنسية”، وهي إمكانية إقامة علاقة مع أفراد من كِـلا الجنسين، وهي أقل ضررا، بالمقارنة مع التوجه الأول، الذي يظل قضية لا يتقبلها المجتمع البتة، لأن المثليين لا يتزوّجون في الغالب وتكون بعض الأعراض المميّزة بادية عليهم، فتظل الشبهات تحيط بهم، أما معتنقي الثنائية الجنسية فهم يتزوجون إنْ أرادوا، لإبعاد الشبهات ويمارسون علاقاتهم بأفراد من جنسهم في سرية وبكل أمان، ويعيشون حياتهم الاجتماعية بشكل عادي جداً.

ملحوظة وإخلاء المسؤولية :

 الآراء والمواقف الواردة في التدوينات لا يتحمل مسؤوليتها فريق مدونة زوايا، بل تلزم أصحابها فقط. وبه وجب الإعـلام والسَّــلام!

الوسوم

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله