fbpx

المقاومة ضد الاستعمار هل هي بداية الاستقلال

تراجع حركة أحمد الهيبة ماء العينين

على غرار المناطق السوسية، خضعت مدينة تارودانت للاستعمار الفرنسي؛ حيث أن احتلال هذه المدينة سيسهل احتلال ما تبقى من المناطق المنحدرة منها، باعتبار تارودانت قاعدة الجنوب المغربي عامة، وسوس بصفة خاصة. وقد شكل تراجع حركة أحمد الهيبة ماء العينين إلى تارودانت بعد هزيمته بسيدي بوعثمان عاملا مهد إلى احتلال هذه الأخيرة، كونها حركة جهادية ضد المستعمر. وقبل الحديث عن عوامل وأسباب هذا التراجع، لابد من تسليط الضوء على سياق ودوافع هذه الحركة الجهادية.

أعلن أحمد الهيبة بن الشيخ ماء العينين قائد للجهاد بمدينة تيزنيت، منذ سماع عقد الحماية على المغرب، وفي هذا الصدد أشار محمد بن أحمد الإكراري قائلا “… إن الشيخ ماء العينين حل بتزنيت، بعيانه، وقضيضه عام 1328 مهاجرا، فلم ينشب أن توفي في واحد عشرين من شوال عام النزول، رحمة الله عليه، وترك أولاده في دار المخزن بتزنيت لخلوها من عمال السلطان، فجعل الشيخ أحمد الهيبة يسدي ويلحم طامعا في السلطنة، ويسر حسوا في رغوة، وقبائل سوس لا تلقي إليه بالا، وأخذوه ضحكة، فلما أراد الله ابتلاهم ندبهم للاجتماع، فاجتمعوا في 18 جمادى الأولى عام 1330 بتزنيت، واتفقوا على أن يقدموه ليكون مقدم الجهاد… “؛ ولم تكن هذه اليقظة أو هذه الحمية الجهادية وليدة الصدفة، وإنما تستمد منطلقاتها من الأجواء الحماسية التي استطاع الشيخ ماء العينين زرعها بالأصقاع الجنوبية، خاصة أن اضطر للاستقرار بتزنيت سنة 1909، دون أن ننسى تجدر التقاليد الجهادية بالمنطقة منذ القرن 16 على الأقل .

انطلقت الحركة من تزنيت إلى مراكش، ولما تيقن القواد المخزنيين من تجذر الحركة في جسم القبائل، لم يكن لهم خيار سوى الانضمام لصفها، لهذا سارع هؤلاء إلى تقديم الدعم للحركة اضطرارياً منذ انطلاقها من تزنيت يوم 9 يوليوز 1912، وفي كل مرحلة من مراحل صوب مراكش خوفا من ردة فعل السكان، لذلك جاء القائد حيدة فتسمى كبير المحلة والقائد العربي الضرضوري فتسمى العلاف، وكان أعرابيا يسمى الطيب هو الأمين الكبير. وهكذا كان القائد حيدة آخر من اتصل بتيار الهيبة ممن يعتد بمكانتهم من رؤساء سوس، ولا عجب في ذلك، مادام الهدف الأسمى من وراء أحمد الهيبة هو الجهاد والدفاع عن الوطن.

كان دخول الشيخ و الجيوش لمراكش يوم 8 غشت 2012، وهذا التاريخ صادف يوم الرابع من رمضان، وهو ما تحدث عنه محمد بن أحمد الإكراري، حينها قال “… قدم الخليفة أمر ربه في حركة هوارة و هشتوكة، والقائد المدني الاخصاصي، والقائد احمد العبدلاوي، حتى دخلوا بلاد التكي، ثم تبعهم مرحلة مرحلة، فصمنا رمضان في أُنْزُطْ، ودخلنا مراكش في الرابع من رمضان بعد أن دخله الخليفة بيومين، فحين دخلنا مراكش قبض سبعة من النصارى في دار الحاج التهامي الكلاوي، فحبسهم والأعراب على عادتهم من النهب، سيبوا المدينة وأكلوا أموال الثأر، فرأت المدينة ما لم تره قبل ولا ظنت أنه يقع… “.

وفي هذا الصدد أشار المختار السوسي، إلى أن هذه الحركة الجهادية دخلت الى مراكش في يوم السبت 3 رمضان، حيث قال “ثم ليكن في كريم علم سيدي أن السلطان المنصور بالله دخل مراكش يوم السبت 3 رمضان، وأشار في الهامش أنه وصل أمام سور مراكش، وأما الدخول الحقيقي في الخامس منه، من غير دفاع بعد أن خرج من بها من العسكر والكبراء للقتال، بعدد وعدة فالقى الله الفشل في قلوبهم، فاختلفت كلمتهم وخذلهم الله بما أسروا من حب الكفر ونهبت قشالى العسكر ودور النصارى وهدمت وامتلأت ايدي العامة من متاعهم وفرح أهل المدينة فرحا لا يكيف وتلقوا بزينة وأبهة ودخل السلطان في جيش لا يعرف كنهه الا بالمشاهدة فاستقر به القرار وٱطمأنت الدار…”.

بالإضافة إلى هذه الظرفية التي دخلت فيها حركة الهيبة إلى مراكش والمتزامنة مع شهر رمضان، تضررت كثيرا، وهو ما حال دون الجهاد ضد المستعمر، هذا طالب سوسي من قبيلة أيت حمد في جوابه المطول للفقيه محمد بن أحمد البعقيلي يخبره فيه بما عاينه وشاهده بمراكش، مركزاً على الإهمال الذي طال السوسيين، “أما الأعراب فقد تنمروا لنا منذ دخلنا المدينة، فأن كل واحد منهم أسد ولج عرينه، فكانوا يعطون لنا في المؤونة قمحا أسود يعلم الله كم بقي في المطامير من سنين… ثم أننا بقينا في فندق وقد اكترينا فيه بيتا، فلم نعرف من كان حتى قام الناس و قعدوا للنهب فصرنا نحن زيتا…”. فأضاف قائلا “فأخبرك يا أخي أننا نحمد الله حين لم تذهب معنا إلى تلك المدينة المنحوسة، التي يكون كل من نزلها فريسة، فمنذ نزلنا فيها لم تلق من يرحب بنا في مناخيها، وكل ما نلقاه لا يريد منا غير الدارهم”، كل هذه الأوضاع وغيرها حالت دون تحقيق الأهداف المرجوة من الحركة الجهادية لأحمد الهيبة، وأسهمت في تراجعها، وقد انهزم في أول لقاء مع الجنرال منجان الفرنسية في معركة سيدي بوعثمان شمال مراكش ب 36 كلمترا، وكانت خسائر السوسيين في هذه المعركة حوالي 2000 شهيد، ثم تتابعت الهزائم على الأمير الجديد رغم استمرار المعارك.

بالإضافة إلى ذلك شكل تراجع العديد من القبائل المجاهدة والقواد الذين أسند إليهم أحمد الهيبة الكثير من أمور هذه الحركة إلى تراجعها، مما خلف حالة من الفوضى وعدم الاستقرار بمراكش، ومباشرة بعد تراجع قوات المجاهدين نحو سوس، توجهت همة فرنسا إلى ملاحقة الهيبة والحيلولة دون تجميع قواته وإعادة الكرة من جديد ولتهديد مراكش، خاصة وأنه التجأ إلى تارودانت، وهو ما شكل مصدر إزعاج لها، ولعل من هذه القوات التي تراجعت نجد تراجع القائد حيدة بن مايس، الذي استعان به أحمد الهيبة قبل توجه الحركة إلى مراكش، حيث خاطبه في تيزنيت حينما قال له: “مرحبا بك يا فلان، فإنه من الآن والدي و أمري كله بيدك فسقط بيدي …” وهو الأمر الذي استغلته فرنسا لصالحها بعدما وظفت العديد من القواد خدمة لها، في إطار سياسة استراتيجية مدبرة تمهيدا لاحتلال مدينة تارودانت، ونذكر على سبيل المثال، القائد حيدة بن مايس.

وأمام هذه السذاجة نرى القائد حيدة ينقض أمر الهيبة ثم التحق بمقر قيادته بوادي سوس ينتظر المفاجآت، فإذا بفرنسا تغفر له ما تقدم في ذنبه، وتعلنه قائدا عسكريا ليتولى تصفية أمر صاحبه الهيبة، ثم سرعان ما ارتقى إلى مرتبة باشا، وأصبح يطبق أوامر فرنسا التي أمدته بمال وعتاد ورجال، مع أن فرنسا غارقة في الحرب العالمية الأولى. كما قامت فرنسا بتعيين ضابط الاستخبارات في بعض مدن سوس، مثل مدينة تيزنيت؛ حيث في أكتوبر 1915 وصل ضابط الاستخبارات جيستنار إلى تيزنيت فصار يعد التقارير عن المنطقة لتستعين بها القوات الفرنسية عند قدومها إليها، إذ كانت المنطقة التي لا تكاد تعرف عنها فرنسا واستخبارتها أي شيء، وذلك تمهيدا الاستعمار القبائل السوسية، وكان تعيين هذا الظابط العارف بخبايا عادات وتقاليد مناطق سوس والملم باللغات العربية والأمازيغية، والملقب بالقبطان الشلح، بمعية القائد عبد الرحمان حديمان الذي خلف بن دحان ، وبعد نجاح هذه الحالة التي دبرها الجنرال ليوطي، لم تستثني فرنسا تارودانت كقاعدة سوس في سياستها المثملة في استراتيجية تعيين القواد في المناطق السوسية والمواليين للاستعمار.

المقاومة ضد الاستعمار هل هي بداية الاستقلال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله