fbpx

الموت على قيد الحياة

كل منا سلك طريقه في الحياة واختار الأسهل له، أم أنه سلك ذلك الطريق الذي سينسى فيه كل شيء فقط من أجل أن ينشغل، و هناك من سلكه لأنه كان الخيار الوحيد، و الآخر سلكه لأنه يحبه، لأنه أحس أنه يعيش حقا ، أما من اختار طريقا من أجل الاختيار فقط، فقد فضَّل أن يعيش ميتا وهو حي، أن يستنشق بدل الهواء سُما، كأنه أراد الانتحار وهو في عز شبابه، أن يعيش فقط ليعيش حياة هو ليس راض عنها، أن يغلق كل تلك الأبواب في حياته أن يغلق ذلك الضوء الذي يضيء، أين هو بين هذا كله ! أهو حي؟ أم الجسد فقط؟ قد أغلق كل شيء ورماه بعيدا، رمى حياته، رمى رغباته ، أطفأ الروح فبقي الجسد الذي يحترق بأفعاله ، لا أحد يحس بذلك النار التي تحرقه ، تخترقه كل ثانية ، كل دقيقة، كان ذلك اختياره الوحيد ، تراه أيضا لم يعد يحس، ذهب الإحساس و اختفى مع مرور الوقت فأصبح منعدما حتى تلك النار التي باتت تحرقه لم يعد يحس بها أصبحت شيئا عاديا و أساسيا في حياته ، حتى الدمعة لم تعد تريد أن تسيل بين عينه، أصبحت أكثر حرقة وأكثر ألما، بل وأكثر استنزافا، أن يقوم بما تمليه الحياة. 
أمَّن سمع النداء فلم يأت ، أمَّن صمت وفي عقله تتضارب الأفكار، في داخله كلام كثير لكن بكثرة القمع لم يعد قادرا للبوح، نداء وصراخ لكنه يفضل الصمت فقط الصمت؛ عينان تبكيان في صمت الليالي، من يتبع طرق الحياة، يجول بين شوارع الموت، بين حقيقة الأمر أن نستمد الطاقة من قلوبنا ، من ذلك النور رغم أنه يشع منه القليل وسط تلك الدوامة السوداء، أن يمسكه كأنه يمسك آخر أمل في الحياة، آخر فرصة للحياة ، آخر إحساس بالانتماء ، أن يحس بالحياة رغم الألم، أن يجعل تلك الدمعة تسيل أن يحس بها أيضا، فقط أن يحاول الإحساس ، من أجل أن يحس أنه حقا حي ، ليس في عداد الموتى وهو لا زال يستنشق هواء الحياة، هواء إختيارته، أن يكون مسؤولا عن كل ما اختاره، أن يكون مسؤولا عن كل حزن وألم اختار أن يعيشه، رغم أنه لم يكن حيا. 
استسلَم، استسلم وسط الطريق ، استسلم لكل شيء وجعل الحياة تقوده إلى كل محطة يريدها، بل استثمر حياته للعيش بين خفاياها، ليلقى نفسه تائها يسأل نفسه في أي مكان هو ليجد أنه في دوامة تجعله غافلا عن كل شيء قربه، عن كل متغير في حياته، أكان حيا أم الحياة كانت في حالة العدم، أم كانت كقطار ذهب دون أن ينتظره، إن الحياة لم تكن يوما تنتظر شخصا، إن لم يحاول بكل قواه إطفاء تلك النار التي باتت تحرقه بالكامل، أن يحاول النهوض والبدء لأنه يريد ذلك، أن تكون له الرغبة في التغيير، فقط الرغبة التي يمكنها أن تغير كل شيء، أن تحول ذلك الحجر الذي بات قاسيا مع توالي المحن، أن تجعله يعود إلى الحياة مجددا، والارتماء في حضن أحلامه، في حضن أمانيه التي باتت تختفي كل يوم. 
الإنسان ضعيف جدا، لكن الحياة تجعله أقوى كل مرة فقط إن حاول من نفسه و لم ينتظر أحدا أن يمسكه من يديه ويخرجه من ذلك الظلام، فقط هو وحده من له القدرة لذلك ، من له القدرة لتحويل ذلك الظلام إلى نور والموت إلى حياة والألم إلى أمل، هو فقط من يمكن له فعل ذلك، أن يمسك بيديه وينهض ليخطو خطوة بخطوة إلى الحياة من أجل نفسه فقط، أن يلمس الطريق بيديه ليحلق إلى ما يرغب به، إلى ما يرغب به هو فقط، أن يعطي لنفسه الفرصة مرة أخرى وكل مرة يسقط فيها هو فقط من لديه القدرة، أن يخرج من ذلك الصمت، و يصرخ بأعلى صوت ليخرج كل ذلك الألم و ينظر لنفسه ويفتخر بها في كل مرة لأنه قاوم ونهض، أمن يعيش لنفسه كل ثانية، ويسعى ولوجَ مرتبة تجعله يحس أنه قد تغلب على كل ما كان يجعله حزينا، إلى كل ما يجعله في حالة صمت، في حالة تجعله غير مرتبطا بالعالم، والوصول أخيرا إلى ما ترتقي فيه أنفسنا. 
لا يمكننا أن نحس بالسعادة إن لم نحزن ونتعذب، و لن نعرف معنى الأمل إلا بعد ألم في حياتنا، من الضروري أن نمر بلحظات صعبة من أجل أن نعرف معنى الحقيقي لكل شيء في حياة، المشكل إن لم نتغلب على هذه اللحظات ونجعلها تتحكم فينا وتتحكم في قراراتنا، فهنا يبدأ التحدي الحقيقي أن تمر بها بأقل التكاليف وأن ترجع أقوى من السابق، لذلك آمن بنفسك كل يوم واستيقظ كل صباح وأنت تفتخر بها، بكل لحظة سواء سيئة أم جيدة، المهم أن تكون قد تعلمت منها الكثير ..
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله