fbpx

الموضوعية و الذاتية في البحث العلمي

كما هو متعارف عليه في أي مقال، عرض، أو بحث، لا بد للكاتب من تعريف ما سيشرع في الحديث عنه في ما يسمى بالمقدمة. فالموضوعية، بتعريف قاموس كامبريدج: هي سمة أو خاصية كون الفرد موضوعيا وصادقا. من نفس القاموس، فإن كون الفرد موضوعيا هو: اعتماده على حقائق واقعية دون التأثر بمشاعره أو معتقداته الشخصية. وغالبا ما يتم ربطها –أي الموضوعية– بالأرقام، الإحصائيات، و. ويتم ربطها أيضا بمصطلح التجريبي Emperical : والذي يعتمد فيه بالأساس على التجربة و الملاحظة. أما الذاتية، وكما جاء في قاموس أوكسفورد : فهي الحالة التي يكون الفرد موجها فيها من خلال أحاسيسه، معتقداته، وجهة نظره، أو ذوقه. أما البحث، أو البحث العلمي، فهو الدراسة العلمية المنظمة لظاهرة معينة باستخدام المنهج العلمي للوصول إلى حقائق يمكن تعميمها والتحقق من صحتها. بعد هذا التعريف المقتضب للمصطلحات التي سيتم تناولها في هذا المقال، فمن العدل توضيح هدفي منه. ما أريد إظهاره هو أن “الموضوعية” كمصطلح ما هي إلا وهم، زيف، مرتبة من الكمالية التي وضعها الإنسان والتي من الصعب –إن لم يكن من المستحيل- الوصول إليها.

أولا وقبل كل شيء ، من البديهي أن المعرفة لا توجد إلا من خلال أو عبر شخص ما، شخص ما هو من يقوم بإخراجها من العدم إلى الوجود، سواء كانت أدبية، فلسفية، أو رياضية. وهنا يبدأ الربط بين المعرفة والذاتية، وابتعادها عن الموضوعية. فالفرد في ذاته وبذاته هو من أنتج المعرفة، هو من رأى المشكلة مشكلةُ، وهو من افترض الفروض، ومن اختار المنهجية التي يعتقد أنها “موضوعية” و”علمية” ليدرس بها فرضياته. هذه المراحل، هي مراحل إنتاج المعرفة، وتحديدا المعرفة العلمية. وكما هو واضح، فإنها ذاتية بشكل مثير للاهتمام. ففي المرحلة الأولى يستخدم الباحث جزءا كبيرا من مشاعره وأحاسيسه، والتي ستصاحبه في مسيرة بحثه، بل ستجتاز هذه المرحلة لتصاحبه في مسيرة حياته. لأنها ببساطة مشاعره. إضافة للمشاعر فقد اعتمد على وجهة نظره، في السيرورة العلمية كاملة، أي من خلال إدراكه وانتباهه ومعارفه السابقة، كون وجهة نظر حول الموضوع حتى رآه على أنه مشكلة، وساعدته وجهة نظره هذه على وضع الفرضيات.

أما فيما يخص المنهجية “الموضوعية”، فما هي إلا تأكيد واضح لهيمنة الذاتية. إذ إن الباحث يعتقد، وفي بعض الحالات يوقن ويكون ذو موقف راديكالي، على أن المنهج الفلاني الذي سيعتمده هو منهج موضوعي. ونفس الأمر بالنسبة للأرقام التي تعتبر هي السبب في جعل الرياضيات مجالا موضوعيا، فحتى وجهة نظرنا للأرقام باعتبارها شيئا موضوعيا، فهي وجهة توارثناها كما توارثنا الثقافة والدين والعادات والتركات، فتقبلنا فكرة أنها موضوعية. رأيناها بذواتنا على أنها موضوعية وأدخلناها في نظامنا، بمعنى أننا انتبهنا لها و أدركنا على أنها –وكما هو معروف عنها- موضوعية، فقمنا بتبنيها على أنها كذلك، لهذا فإن هذا الفعل ذاتي بامتياز.

فإذا كان السيرورة التي تنتج بها المعرفة ذاتية، فبالتالي ستكون المعرفة هي الأخرى ذاتية. وإذا كانت المعرفة ذاتية، فإن هذا يكون في مجملها أي في المعنى العام لكلمة “المعرفة“، بمعنى المنهج التجريبي عند فرانسيس بيكون، وعند جون لوك، والبرامج التي يتم استعمالها في الإحصائيات، كلها نتاج عن الذاتية. وحتى لو أردنا التعمق أكثر فسنجد أن هذه المناهج اعتمدت على أفكار ومعرفة هي بالمثل، ذاتية.

ابتكرنا الزمن، اللغة والعلم، ليس لمعرفة الإيجابيات عن أسئلتنا، أو إيجاد الحلول لمشاكلنا، بل لكي نجد شيئا يجرنا من حقيقة أننا سنموت لا محالة. فابتكرنا تلك الأشياء وغصنا فيها لإطفاء فكرة الموت والعدم. ولا اقصد بهذا الأفراد المنتمين لديانة ما، فهؤلاء منذ ظهور الأديان، كانوا يمتلكون طوق نجاة من هذه الأفكار، كانوا يمتلكون الإيجابيات، لم يحتاجوا يوما لرمي هذا الطوق. وان أرادوا التفكير في هذه المواضيع، وجدوا ما يتمسكون به عند السقوط. أما من لا دين لهم، فهم من يتمسكون بهذه المواضيع، ويبتكرون فيها من المفاهيم الشئ الكثير، ومن هذه المفاهيم نجد مفهوم “الموضوعية”. فبعد أن أدركنا أننا ذوو وجهات نظر ذاتية. ارتعبنا من أننا وجدنا الحل. ليس أي حل، بل الحل النهائي لطبيعة تفكيرنا. فابتكرنا “الموضوعية” لنوهم أنفسنا والأجيال التالية، أن هناك شئ اسمه الموضوعية وهو أسمى من الأصل، أسمى من الذاتية.

الموضوعية، كبذلة الطبيب، يرتديها العلم و العلماء، محاولين إخفاء ذاتيتهم. هي القناع الذي يرتديه العالم للاختفاء من ذاتيته أثناء تطبيقه للتجارب على البشر أو الحيوانات. لأن العلماء بشر، والبشر لا يرغبون في معرفة حقيقة أنهم طغاة متكبرون. الموضعية هي الوهم الذي كان واطسون يؤمن به خلال تجربته على البيرت. هي الخدعة والكذبة التي راح ضحيتها آلاف الفئران.

الموضوعية هي ذلك المربي الذي يعطي السكين للطفل ويخبره بأن يقتل صديقه به. والحقيقة هي أن المربي لا وجود له، بل هو خيال ابتدعه الطفل حينما تم الإمساك به بعد فعلته، فاخترع المربي، ابتكره ليزيح ثقل الذنب عنه.

الموضوعية تزييف لحقيقة أننا نريد ارتكاب تلك الأشياء. هي تزييف آخر من تزييف البشر للمصطلحات والتلاعب بالألفاظ، فنسمي الاستعمار حماية، تقتل الطفل البريئ لأسرته وتخبرهم أنه لمصلحتهم. لنتقبل ذاتيتنا قليلا، ولنتحمل مسؤولية أفعالنا وأقوالنا.

الموضوعية والذاتية في البحث العلمي

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله