fbpx
تدوينة متصدرة

تأملات حول فكرة الدولة.. بحثٌ في المفارقات عند ذ. العروي (1)

جرت العادة في النظرية العامة للقانون الدستوري عندما نتحدث عن الدولة فإنها تتشكل من الشعب والإقليم والسلطة السياسية أو بعبارة Carre De Malberg “مجموعة من الأفراد تستقر على إقليم معين تحت تنظيم خاص يعطي جماعة معينة فيه سلطة عليا تتمتع بالإكراه”. لكن عندما ننتقل إلى الحقل الفلسفي والاجتماعي وبصفة أدق الحقل الفكري؛ سُرعان ما تطفو نقاشات كبرى يتم إلباسها في الغالب لَبوساً إيديولوجيا ونسقط حتما في مفاهيم من قبيل (الدولة الإشتراكية- الدولة اللبيرالية…).
في هذا الصدد برز مفكرون استطاعوا أن يقفوا عند مفهوم الدولة محيطين به من مختلف الزوايا مستحضرين جلّ النظريات التأسيسية في ذلك، يبقى أبرزهم المفكر المغربي د. عبد الله العروي في كتابه الموسوم بعنوان “مفهوم الدولة” منطلِقاً بعرض مقالتيْن كان لهما تأثير واسع في مجرى التاريخ البشري، فمعنى الدولة عند المقالة الأولى يرتبط باعتبارها تنظيم اجتماعي فهي اصطناعية لايمكن أن تتضمن قيمة أعلى من الحياة الدنيا كلها، إذ تتعلق القيمة بالوجدان الفردي أي أنها توجه الوجدان لكي ينفصل عن قوانين الحياة الدنيا الخادعة العابرة ويتهيّأ للآخرة؛ فغاية الدولة هنا تنحصر في خدمة مصلحة الفرد والمجتمع لتهييئهم على الآخرة، بينما تنصب المقالة الثانية بالنظر إلى الدولة على أساس أنها ظاهرة من ظواهر الاجتماع الطبيعي تولَّدت حسب القانون الطبيعي غايتها تمهيد السبل من أجل سعادة ورفاهية الفرد، والمطلوب منها بالأساس الحفاظ على الأمن في الداخل والسلم في الخارج.
لقد شكلت هاتان المقالتان حسب الأستاذ عبد الله العروي أساس الصراع في الفكر الفلسفي اليوناني والفكر الإسلامي والفلسفة الغربية، إذ يعد هذا الصراع الأسس الذي ينبني عليه الكتاب، في البداية مع الفكر الفلسفي يستحضر موقف إريسنت كاسيرر الذي ينسف من الأساس محاولة فصل الدولة عن الفرد على أساس أن الدولة التي تخرج عن كونها تخدم مصلحة الفرد، هي بطبيعتها أسطورة ومن يقر بهذه الفكرة فهو بدوره أسطوري، من هنا يميز كاسيرر بين التفكير بالأسطورة والتفكير بالمنطق باعتبار التفكير بالمنطق في مسألة الدولة هو الاعتماد على الفرد الحر والنظر إلى الدولة ككيان اصطناعي أبدعه الفرد ليبقى في خدمته.
في مقابل التصور السالف، يعزز المفكر المغربي النقاش بالتصور الهيغلي الذي يقضي بعقلنة فكرة الدولة حيث يعتبر فكرة ظهور الدولة فكرة عقلية وهي النظرية الوحيدة الممكنة عقليا بالرغم من أنه يؤكد على أن الدولة هي من يقرر حرية الفرد وليس من يقف أمام ذلك، وفي هذا الصدد حتى يبرهن طرحه يقوم هيغل بالمقارنة بين فرنسا وانجلترا وألمانيا ويقر بكون ألمانيا لايمكن اعتبارها دولة بل هي فقط مجموعة انسانية ولاتملك تصورا. أمام هذا الموقف الهيغلي يسترسل صاحب الكتاب بطرح السؤال التالي: هل الدولة عند هيغل هي عقلية أم خرافية؟ وللإجابة على هذا السؤال يعود بنا إلى كاسيرر الذي يؤكد بأن دولة هيغل هي دولة عقلانية لاتستسلم للنزوات، ليخلص لفكرة مفادها أن هدف الدولة يرتكز على تربية الناشئة حسب آرائها وتوحيد التنظيمات وتجسيد الروح القومية أو حقيقة الجنس وليس الفرد، ولتفنيد التصور الهيغلي وتجاوزه في آن واحد يعزز الكاتب ذلك بتأويل إريك فايل الذي يقر بصحَّة نظرية هيغل للدولة على أساس إمكانية تجاوزها عن طريق الحرب وعن طريق جدلها الداخلي، أمام هذا الزخم الفكري يقف المفكر المغربي عند ثلاث اتجاهات رئيسية لنظرية الدولة: 1- الإتجاه الديني الميتافيزيقي يمثله أغسطون، 2- الإتجاه الليبيرالي الأخلاقي يتزعمه كانط، 3- الإتجاه اللاديني اللأخلاقي مع هيغل.
إن تفنيد التصور الهيغلي من قبل إريك فايل لم يكن حاجزا لدحض أطروحته، هنا يفسح صاحب الكتاب المجال للفلسفة الغربية لنقد التصور الهيغلي مستحضرا النظرية الماركسية، فإذا كانت الدولة عند هيغل هي العقل ذاته ولذاته، فإن ماركس يرى بأنها ترتكز على وشائح القرابة والأسرة، وعلى علاقات الإنتاج، الشئ الذي تزداد معه نقط الخلاف بين هيغل وماركس على جميع المستويات، ويبرز ذلك بشكل جلي من خلال تعريف الدولة الذي يبدأه هيغل من تعريف مجرد إلى ملموس الأمر الذي يناقضه ماركس إذ يقلب المعادلة لينطلق من الملموس إلى الواقع للوصول إلى المجرد وهو الدولة عائدا إلى عصر الأنوار، لأن هيغل ينفي نظرية التعاقد ويعد هذا بدوره نفيا لنظرية الأنوار، وعلى أساس هذه المقارنة أو النقد الذي قدمه ماركس، فإن فكر هذا الأخير يمكن إجماله على الشكل التالي:
– أسبقية المجتمع على الدولة على المستوى المنطقي باعتناق مادية الأنوار ضد روحية ومثالية هيغل؛
– رفض مقولة اصطناعية الدولة بتبني جدل هيغل ضد تجربة الأنوار؛
– ربط شكل الدولة السياسية حلي الأنوار وهيغل معا؛
ليُعرّج بعد ذلك على مساهمة إنجلز الذي اعتبر الدولة ليست سلطة مفروضة على المجتمع من فوق وليست واقع الفكرة الأخلاقية أو المرآة وتجسيد العقل، فالدولة، إذاً، حسب إنجلز تلك السلطة الناشئة على المجتمع المتعالية عليه والتي تزيد استقلالا يوما بعد يوم فالدولة هنا نابعة من الصراع، الصراع الطبقي وليس سلطة فوقية.
داخل هذا النقاش الفلسفي الموسوم بالتناقض والتضاد، برز الرهان على الاجتماعي الشيء الذي يوجد في قلب السؤال الذي يجيب عنه صاحب الكتاب، إذ يعلن أنه سيترك مجال الفلسفة ليدخل مجال الاجتماعيات؛ مُقرّاً بأن الدولة وجهازها مُتماهِيان والاجتماعيات تهتم بمعطيات إثنولوجية ويركز أكثر على الوضعانية التي غذَّاها تقدم العلم الحديث. فالوضعانية تعتبر أن الأداة تحمل في ذاتها هدف الدولة، وهذا المنهج هو منهج إنجلز الذي ترك الفلسفة متجها إلى الاقتصاد والإثنوغرافية، فالأهم حسب إنجلز هو اختزال معنى الدولة في جهازها، وبما أنها جهاز قمعي فإن وظيفتها قمعية وهي “أداة لممارسة العنف” وهي الفكرة التي سيدافع عنها فيما بعد لينين في اختزال وظيفة الدولة في الاشتراكية وفي قمع الثورة المضادة، وهذا مايبدوا طبيعيا عند كبار علماء الاجتماع إذ نعثر عندهم على أربع تصورات للدولة:
الدولة التاريخية كما هو الحال لدى إنجلز والاثنولوجيين والمرتبطة باستقرار القبائل الرحل والملكية الخاصة.
الدولة الحديثة لدى ماركس في نقد فلسفة القانون لهيغل حيث التنظيمات الجديدة التي عرفها عهد النهضة والثورة الفرنسية “النماذج التي استهدفها ماركس دولة فرديريك الثاني ولويس الرابع عشر وامبراطورية بونابرت”.
الدولة الصناعية والتي تؤكدها اجتماعيات القرن 19 كدولة مجتمع تغلب فيه الصناعة والمتاجر
الدولة المعاصرة في اجتماعيات القرن 20 كجهاز مترتب على تداخل العلم والصناعة وارتفاع قطاع الخدمات وتنامي المواصلات واستعمال المعلوميات في المراقبة وتنظيم العمل .
 
 
 

في منتهى هذا التحليل، يُرجّح المفكر والمؤرخ المغربي نموذج الدولة الحديثة الصناعية لأنها محور الاجتماعيات السياسية المعاصرة، إضافة إلى اعتبارها منطلق كثير من الدول الحالية وهدف غالبية ما سواها، ناهيك عن أنها تأتي في ملتقى الطرق بين المجتمعات المصنّعة والأخرى التي هي في طريق التصنيع.

 
يُـتـبَع . .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله