fbpx

تجلّيات المواقف -الأبوية نموذجاً-

“السلام عليكم أطرح بين أيديكم مشكلة مع والدتي تسببت لي في أزمة شديدة، لم أتمالك نفسي حينها فأفرغت جامّ غضبي بطريقة تنم عن سوء خلق، طريقة أوقعتني في العقوق،  لم أعد أشعر بطعم الحياة و أصبحت أتمنى الموت كل دقيقة!
ما الحل؟ رجاء ساعدوني”.
هكذا طرح شاب مشكلته على أحد المواقع الإلكترونية المخصصة للفتوى.
أقول له : صديقي اطمئن! لستَ الوحيد، فعلاقة الوالدين بأبنائهما نسبية تختلف من وسط لآخر، ليس من باب الإفتاء بل من باب التذكير وسط معمعةِ واقعٍ مرير تتخلّله أبوية مضطربة غالبا ما تُبنى على التسلط الذي يطمس شخصية الأبناء أو وسطاً يحجمها لتصبح متعالية، يخرج أفراداً يحملون عقدا نفسية منهم من يتخلص منها اجتهاد، أما البعض الآخر فتكبر معه ليمرِّرها للجيل القادم.
إنّ للأبوية حقوقاً وواجبات وكذلك البنوة، لكن ما يطبع مجتمعاتنا هو خلل بارز ما بين الحقوق والواجبات بالنسبة لكلا الدّورَيْن، وهذا يعود إلى جهل أحد الطرفين أو كلاهما بمعايير هذا الميزان وكثيراً ما يغيب جلّ هذه المعايير قسرا لأن الواقع مختلف عما هو نظري.
الواقع نسبي على العموم. ينبغي أن يعلم إضافة لكل ما سلف أن الاهتمام بملبس الأبناء مأكلهم مشربهم و صحتهم يسمى رعاية  والاهتمام ببناء نفسيتهم وعقولهم بناء سويا يسمى تربية.
غالبيتنا لا تفرّق بينهما وهنا يكمن الخلل ويحدُث التقصير في التربية.
نحن لا ننكر مدى تضحية الوالدين خصوصا الأم منذ لحظة الولادة. عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: ((جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله.. من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك.. قال: ثم من؟.. قال: أمك.. قال: ثم من؟.. قال: أمك.. قال: ثم من؟.. قال: أبوك))؛ ومروراً بمرحلة الطفولة إلى حين بلوغ مرحلة المراهقة ثم الشباب، كل يلعب دور أبَويته حسب ما يفقَهُه، مستواه الديني والأخلاقي، نسبة وعيه، حكمته، منطلقاته، نظرته للأمور وأخيرا مستواه الثقافي والمادي، كلها عوامل أساسية تجمع بينها علاقة تكامل.
صديقي، إن طعم الحياة الذي تبحث عنه و أنت في عش والديك يتطلب اجتهادا نفسيا موازاة مع أحكام الشرع، فجلُّنا يردد الآية 23 من سورة الإسراء : ”وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا”
إلّا أن تطبيقها الواقعي ليس بسهولة ترديدها عند كل مجلس، هذا لأن الواقع غالبا ما يضعنا أمام مواقف تتلف أعصابنا لدرجة الانفجار أو الهروب، مواقف يستحيل معها الصبر كما جاء في الآية قال تعالى “الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”.
تذكّر دائما أن الموت آتٍ لا محالة فلكل شيء زوال مرا كان أم حلوا، قدّرْ قيمة كل ثانية أضيفت إلى عمرك وعِشْ كل لحظة على أنها آخر لحظة في حياتك فيوماَ ما ستكون كذلك.
كن واثقا أنني أكتب لنفسي قبل أن أكتب للآخرين فما أحوجني لهذه الكلمات لأنني أنا الأخرى علّمتني المواقف وربّتني الكتابة الإصلاحية تربية نفسية ولا زالت ملاذي الثاني بعد السجود سواء أكنتَ مصلحة أم مخطئة.
بعد أنْ أوشكتْ علاقتي بمن حوْلي سواء والدايّ أو غيرهم على الانهيار، حاولت أن أسبر أغوار هذه العلاقات، وكيف أنني فشلت في إدارتها، وجدت أن السبب اختلاط المفاهيم وخصوصاً تلك المتعلقة بالشعور، نحن مجتمع لا يعترف بالشعور ويعتبره هُراءً ومضيعة للوقت، حيث إنّ كل شخص يُفسر الأحداث بطريقة باردة وكأنه يحبك سيناريو مسلسل درامي. دعني أعطيك مثالا: نحن مجتمع لا يفرق بين الحسد والغبطة لأن بينهما خيطا رفيعا، فالحسد هو أن تتمنى أن تكون مكان شخص مع رغبة في زوال نعمته، وهو مذموم؛ أمّا الغبطة هي أن تتمنى أن تكون مثله مع رغبة في بقاء نعمته وهذا محمود. هذا الجهل يجعلنا نظلم أنفسنا و الآخرين .. لكن ما سببه؟
سببه هو أن الأجيال السابقة غالبيتها تربت على مبدأ الشعائر و أداء الواجب لكنها لم تترب تربية نفسية سوية ، فتجد داخل كل بيت قمعا للمشاعر و كأنها جريمة أو ذنب، من له سلطة عليك سواء داخل البيت أو في العمل سيأمرُك بالتخلص من الشعور عند أول حرف تلفظه لكن بالمقابل سيسمعك شكواه
إننا مجتمع معاق عاطفيا، التعبير عن المشاعر فيه مقرون بعدة عوامل من بينها هل أنت المتحكم أم المتحكم به؟
قد يسألني البعض وكيف السبيل إلى تربية نفسية سوية رغم عوائق المجتمع ؟
ربّما، لن تنطبق هذه الطريقة على الجميع لكنها طريقة تمخّضت عن اجتهاد نفسي شخصي، وهي كالتالي: تحليل المشاعر التي تنتجها المواقف والذي لا يجب أن يغادر أذهاننا ويبقى القرار المترتب عنه هو ما سيحدد سلوكنا، إلا أن هنالك قرارا ينبغي أن يصاحبنا في جميع المواقف كيفما كانت، هو عدم إلحاق الأذى بالآخرين، هذا صعب نوعا ما لأننا بشر نخطئ و نصيب لكن ما إن نضعه نصب أعيننا لن يضيع من بين أيدينا.
فطوبى لمن يجتهد حتى يكف أذاه عن الناس، يعتبر ضغوطه و ألمه مسألة بينه وبين نفسه لا أحد سيشاركه إياها، ربما تأتي عليه بعض الفلتات التي تخرج عن تحكمه لكنه يتداركها قبل فوات الأوان معترفا بخطئه و بئس المرء الذي يتحين الفرصة ليصب جام غضبه على الناس معتبرا ذلك حقا من حقوقه، هذا الإنسان مهما بلغ فسيظل مصدر أذى لمن حوله  لا هو مرتاح البال و لا يترك للآخرين مجالا للاطمئنان و ما أكثرهم.
أعلم جيدا أن كلا منا يبحث عمن يمدحه من أقاربه أو غيرهم  لكننا لسنا في الجنة ولا يعرف الشر إلا بالخير فكيف يمكن أن نفرق بينهما إذا كان أحدهما موجودا دون الآخر ، لا بد من مرور بعض الأفواه التي ألفت  تأليف القصص عنا ، يشكل ذلك بالنسبة لها إبداعا بل وإنجازا باهرا ربما كان حلمها أن تصير من كتاب السيناريو المحترفين و لكنها فشلت.. وبعضها يحب أن يلعب دور المحقق أو الصحفي.
تلك  كانت أهدافهم لكنهم آثَروا أن يجعلوها لا تتعدّى ألسنتهم، يحتسون كأس الندم كلما مررنا أمامهم.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله