fbpx

حوارُ النّفس المتسائلة

سألت عن ماضيَّ، في رفوف منسية، فلم أجد جوابا، يشفي غليلي، فمن أكون أنا؟! فسألت مرة تلو المرة، مستيقظا على سؤالِ من تكون لتسأل، هل عمرُ أم أبو بكرٍ، لا لا لن أكون هذا أو ذاك، أسأل لأعرف من أنا، هل من جواب عندك يوقظني من أوهامي؟ لن أجيب عَمَّا تحت الركام…..لماذا تسأل عن ماض ولى وذهب، فيه تستيقظ الآلام، لماذا تسأل؟ أسأل لأعلم هل أستحق أن أكون هذا…إذن لهذا السبب لا تسأل؛ فلن تكون أنت ذاك أو هذا…

بالله عليك أخبرني من أكون؛ تريد إذن آلاما مستيقظة في ماضٍ منسي، أنت إذن ذاك الطفل الذي حملته أمه تسعة أشهر، فلم تشتكِ يوما؛ عشت في بطنها مخفياً غير جوعان بإرادة الله، لم تسمع ولم ترَ ما يحدث، لكمات في وجهها وزرقة في عينها وذبلان في يديها، عشت في بطنها وهي تقاسي، خرجت من بطنها وهي فرحة ومستبشرة بغدٍ أفضل، ماذا تريد أن تعرف إذن؟ 

أخبرني أخبرني أخبرني من أكون؟ أنت ذاك الطفل الذي ازداد وبعد ثلاث سنوات غادر الأب إلى دار البقاء، مودعا إياك من مستشفيات عاصمة الأنوار، مات لتعيش على قدرٍ جديد، لا داعي لأن تعلم من تكون!

 لا ثم لا، أريد أن أعلم! ماذا تريد أن تعلم أنه مات وبطن أمك فيه بذرة أخرى، ماذا تريد أن تعلم، معاناتها من أجلك وأجله، فقدت زوجا تتكئ على كتفيه ومسندة عليه، اليوم تقاسي من أجلك وأجله، عشت بين كنفيها، لا تحب ما تكره وتسلمك اللقمة قبل أن تمدها لفمها. ماذا تريد أن تعلم، فقرك أم حرمانك؟ ماذا تريد أن تعلم؟ أنها حرمت نفسها وأنت تتباهى أمام أقرانك؟ ماذا تريد أن تعلم فماضيك ماضيها ومستقبلك مستقبل غيرها. 

يئستُ من حكايات الماضي، اُتركني لسبيلي حالي، أوجعتني وأسكرت عقلي، سرحان أنا فمتى يكتمل ماضيَّ؟ لن يكتمل بما أنك أنت تكبرت وتعجرفت؛ لن يكتمل! لن يكتمل! لن يكتمل بما أنك تركت نفسك في عيش أوهام لا أساس لها حينما تركت أصلك حينما ابتعدت عن ربك وحينما نسيت من تكون لن تكتمل.

استيقظتُ على كلمة لن تكتمل، ماضيَّ سلَب مني أغلى ما أملك، مستقبلي، ومرت حياتي مستنظرا، مستأملا شهواتي، ارتساماتي، تعرُّفي، تكبري،… الفقد أفسدني ، نسيت عبادتي وتبعت هوى شيطان لا يعرف إلا إيقاع مثلي في النار، نسيت قدوتي وتبعت كافرا بالله، فماذا إذن أريد أن أعرف، أنا لست بذاك ولا بهذا ، أنا عبد مذنب لم أستفيق من غفوتي من الجهل إلى النور، دعاني صوت من السماء مناديا : “أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة”. فأردت أن أستفيق ولكن شيطاني جذب  تفكيري، ألست أنت من ارتكبت وارتكبت فقد اسود مصحفك بيديك ولن تغفر ذنوبك. 

وضعت يدي على خدي يائسًا، فأتاني قائل بأن الله عز وجل يقول:”يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم و آخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه”، وقوله عز من قائل (( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاتَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا )) [الزمر53] وقوله تعالى في الحديث القدسي: “وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم”. هرولت مسرعا لأنقذ نفسي من يوم لا ينفع فيه لا مال ولا بنون، لكن لم يتركني السؤال العالق في زمرتي ولا يزال يراودني ويعذبني، فمن أكون إذن !؟

الوسوم

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله