fbpx

حوار بين العقل والعاطفة

-العاطفة: أضعنا أسهل كأس أمم إفريقية، نملك أفضل اللاعبين في أوروبا، وأفضل مدربي القارة … تخلى عنا الحظ وإلا لكنا فزنا باللقب. 
– العقل : آسف ولكن كرة القدم ليست 11 لاعبا يجري ويودِعون الكرة في الشباك، كرة القدم ليست تكديس نجوم في بنك الملعب وبنك الاحتياط والفوز على الخصوم بالورق قبل لعب اللقاء، ولو كانت كذلك لما كان ريال مدريد بطل أوروبا لثلاث سنوات متتالية ومانشستر سيتي بطل المجرة قبل بدء الموسم ولَمَا استسلم أيضا منتخبنا المدجج بنجوم أوروبية في الكأس الإفريقية قبل بدايتها ! كرة القدم في هذا العصر هي منظومة، مثلها مثل منظومتي التعليم والصحة! و المباريات التي يقدم الفريق ما هي إلا صورة نهائية عن عمل المنظومة وعن فعاليتها. أحيانا الصورة تكون مغالطة للواقع، ويقدم المنتخب أداءً مميزا وهذا لا يعني أن منظومتنا أصبحت سليمة، ولكنها طفرة من الطفرات وصورة مخادعة ليس إلا، أو بتعبير أدق، منظومتنا بشكلها الحالي عبثية وكل الصور التي يعكسها اللاعبون ما هي إلا صور عبثية. وأحيانا هنالك احتمالات أن تكون الصور العبثية جميلة !!! وهذا ما يحدث بالضبط، وفي جل الأوقات الأخرى تكون الصور والنتائج كارثية، والخروج من المسابقات القارية من الأدوار الأولى، وإن اعتبروه خروجا مشرفا أو غير مشرف، فهو يبقى خروجا في كل الأحوال . 
– العاطفة: ولكن أنت قلت أن اللاعبين هم صور للمنظومة… نحن الآن نملك أجود اللاعبين إذن فالمنظومة تقنيا جيدة ! 
-العقل: أبدا ! انسي كرة القدم قليلا، وتخيلي أننا نريد تقييم منظومة تعليمية لبلد ما ! 
-العاطفة: حاضر، ها أنا أستمع. 
– العقل: تخيلي أننا في بلاد الواق واق وأردنا تقييم منظومة التعليم ككل؛ لذلك اقترحت اللجنة التقنية أن يتم تقييم كل فصل بدءاً من الابتدائي، مرورا بالاعدادي فالثانوي و انتهاءً بمستوى طلاب الجامعات والمعاهد العليا، وقامت اللجنة التقنية بهذا التقييم وَوجدت على أن المستوى هزيل بالنسبة لأغلب الفئات العمرية الصغيرة، وأن أكثر من نصف الطلاب يرحل عن مقاعد الدراسة قبل الجامعة … والمستوى في الجامعة يتراوح ما بين الهزيل بالنسبة للعموم والجيد والممتاز بالنسبة لفئة صغيرة جدا تقوم بمجهودات فردية من أجل التميز. وبعد نشر تقرير هذا البحث، خرج مسؤولو جزيرة الواق واق وقالوا على أنه تقرير خاطئ وغير صحيح، ولتبرير اعتراضهم، أخرجوا لائحة باسم أكثر من سبعمائة واق واقِيٍّ عبر بقاع العالم حصلوا على مراتب الشرف في أرقى الجامعات، وقال المسؤول الواق واقي: انظروا هذا الأستاذ الجامعي أبو الوقاويق رئيس شعبة الميكانيك في جامعة برلين ، وهذا عميد كلية الآداب في جامعة ليفربول وهذا باحث حاصل على نوبل الكيمياء …. 
– العاطفة: إذن هاته المنظومة تعمل بشكل جيد؟ أليس كذلك؟ 
– العقل: أبدا، تريثي قليلا أيتها العاطفة. أبو الوقاويق رئيس شعبة الميكانيك ولد في برلين، ودرس في مدارسٍ وثانويات ألمانية وتَكَوَّن في ألمانيا وكل ما يربطه بجزر الواق واق هو بضعة أيام عطلة كل ثلاث سنوات ! هل هو نتاج لمنظومة الواق واق التعليمية؟ نفس الشيء بالنسبة لعميد كلية الآداب وأغلب أسماء اللائحة. 
– العاطفة: مممم 
– العقل: الآن أسقطي دراسة المنظومة التعليمية لجزر الواق واق على منظومتنا الكروية، وسَتَرَين على أننا نفتخر بأسماء تلقت تكوينها الكروي من المهد إلى سن الرشد في أوروبا، وعلى أن منظومتنا الكروية لم تصنع لاعبين أو صنعت قلة قليلة ولكنهم يبقون أقلية أمام ما نستورد… شخصيا ليس عندي اي مشكل في لعب المحترفين في المنتخب ولكنني أرفض بتاتا أن ينتسبوا إلى منظومتنا ! منظومتنا الكروية إلى حدود كتابة هاته الأسطر فاشلة ولا تنتج، لذلك يتم الإنقاذ بجلب لاعبين جاهزين … أنا لست ضد جلبهم مرة أخرى ولكنني بالمقابل أريد أن تصلح المنظومة لكي لا نتكل على جود أوروبا طيلة هاته السنين … 
– العاطفة: ممممم، ولكن اللاعب المحلي مُنِح عدة فرص ولم يبدع!! 
– العقل: لا أطلب مشاركة اللاعب المحلي بنسبة 90 بالمئة في المنتخب بين عشية وضحاها، ولكنني أريد أن توضع خارطة طريق واضحة لنبني منظومة متوازنة وقادرة على إنتاج الإبداع بطريقة عقلانية في المستقبل، وألاَّ ننتظر المعجزات لنفرح بانتصار خادع ونعود للنكسات. 
– العاطفة: كيف ذلك؟ 
– العقل: أولا فلنعْترف بأننا فاشلون فهاته هي أولى خطوات النجاح. يجب أن نترك معطف الغطرسة والتكبر والقول بأنه لدينا فريق أفريقي كبير في كرة القدم. نحن منتخب متواضع أو كلاسيكي على أكثر تقدير، فاز بكأس يتيمة طول مشواره وفشل في تحقيق الفوز في الدور الثاني في أي مسابقة قارية منذ أكثر من 15 سنة ! بعدها يجب وضع أهداف واقعية على البعد المتوسط والبعيد ونسيان الأهداف الآنية …. ﻷنه لا يمكنك تحقيق نتيجة آنية بطريق غير طريق الحظ ! فلنَضُخ المال في الأكاديميات وفي التكوين، ولْنُساعد اللاعب المحلي على الاحتراف في أوروبا عوضا عن الخليج ! لا أملك عصا سحرية الآن ولكنني واثق من أنه يمكننا تقنين عدد اللاعبين المغادرين للخليج. فلنعطِ اللاعب المحلي فرصته مع المنتخب، بتطعيم الفريق الأول بعدد منهم، ولا بأس إن انهزمنا فنحن ننهزم دوما، فمُجرد منح اللاعب فرصة اللعب في المنتخب ستحيي الآمال في ناشئي البطولة وتجعل حلم لعبهم للمنتخب ممكنا وليس حلما مستحيلا لأن لاعبا سيأتي من سبارتاك روتردام ويأخذ المركز بكل سهولة. بالنسبة للكبار لا بأس فلننهزم في السنوات المقبلة ولكن لنعمل خارطة واضحة للصغار، منتخب فتيان يتم الاعتناء به وإرساله لمعسكرات تدريبية في دول متقدمة … محاولة لعب كأس العالم للشباب وهلمَّ جرا …. عندما سيتدرج اللاعب في كل الفئات للمنتخب سيكون قريبا منه وممثلا لمنظومته ، ومتشبعا بفكرها وآنذاك سيكون خير ممثل لمنظومتنا وليس كما هو الحال الآن! قد يبدو كلامي قاسيا ولكنه كلام العقل أيتها العاطفة.
 

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله