fbpx

خانَتْني صلاة العشاء!

لحظةٌ من حياتي مرّت بسرعة كالرياح العاصفة في الأيام الشداد، غلّفني الحزن عليها وتناثرَ ضعفي على جسد الذكريات يحاكي الزمن القاسي، وتردّدَ بأذني مقطع من حديث نبوي قيل فيه: “إن أثقل صلاة على المنافقين صلاةُ العشاء وصلاة الفجر؛ ولوْ يعلمون ما فيهما لأتوْهُما حبْواً”.
شعرتُ حينها وكأن الخطاب موجّهٌ لي وأنا تلك الغافلة في ملذّات الحياة أدندن “لا زالت الدنيا بخير”.. كنت أظن أن هذا الأمر ذا الطبيعة العقائدية حافزٌ معنوي للمسلم بهدف اتباعه لركائز الدين الإسلامي دون تماطل ، فيسير بذلك على خطى خير البرية والصحابة، غير أن تفتيت جذره يأخذك منذ الكلمة الأولى مثلما يأخذك البحر بأمواجه في خطوتك الأولى.
واهمٌ مَن ظنّ يوماً أن الانشغال بالدنيا ومُلهِياتها من مواقع التواصل الاجتماعي ومواصلة مشاهدة يوميات تلك وذاك ومحادثة الرفقاء دون أي إنجاز سيَهتِف به نحو العُلا ليُقارِعَ الأكفاء.. خاطئٌ تماماً يا هذا، استقيظوا من سباتكم العميق واستمعوا لضميركم وإلا حتماً ستجدوه يئنّبكم بعد تنبيهات عدة ثم تحصل الكارثة.
تعصف بنا الدنيا لـتُرِيَنا يا صديقي حقيقة بعض الأوهام التي كنا نأمل أن نراها في الواقع إلا أنها أبت أن تدمرنا بما بدا لنا كشهد العسل، وللآخرين كأعمدة الدخان حين تشتعل، فنعود حبْواً لأصلنا مشتكين من بلاهة عقولنا وياله من وعظ ترهقنا به النّفسُ آنذاك، ألمْ تعلم أننا تعبنا؟ بلى قد حذرَتنا قبل وقوعنا في قاع الحفرة و لم ندرك ذلك إلا بعد برهة من الزمن.. 
يكون الاتجاه الأول والمنقذ الآمن هو الله؛ حيث الرحمة التي لا تزول والسعة التي لا تضيق، وكم سعيْنا جاهدين لنصلي بخشوع ونجعل صلاتنا عبادة نؤجَر عليها ولا عادة نقوم بها بشكل مجرد،  ولم نُفلح في ذلك. الجواب ببساطة، لأننا اعتبرناها دوماً فرضَ عيْن وجَب أداؤه فنكبّر ونركع ونسجُد بلا تركيز، رغم المحاولات الدؤوبة لنيل قسط منه، تظل فاشلة يا عزيزي ما دامت القيمة نمدّها لمن لا يستحقها ولا نقدر بالفعل الأشياء التي تقودنا دوما للخير..
ماذا لو اعتبرنا الخشوع كثمرة النهاية بعد الصلاة ونوسع من دائرة المسافة بيننا وبينه، ونُقلص بيننا وبين غيره الذين كانوا سببا في بعدنا عنه؟ ماذا لو هرمنا أو تعرضنا لإصابة ما و انضمَمْنا لصفوف الساجدين في الهواء، أقصد مَن يجلسون على كرسي تنقصهم العافية ونحن نمتلكها وأقصر آمانيهم السجود ؟
فكرتُ مليا في الأمر خلال عملي بالحاسوب فإذا الساعة تشير إلى الثانية عشر ليلا، قمتُ فوجّهتُ وجهي نحو الصلاة وشعور غريب يتملّكُني ، يناديني بأن حان الوقت أن أسقط غمامة الهم المضمورة داخلي لعلي بذلك أنسى قليلا، قمت بالتجربة ويا ليْتني عزمتُ عليها سالفا؛ أربع ركعات انتهت وكأنها ذكرى مضت، تخبرني بقوة على العودة للنظر في علاقتي بالله، حقا كانت أفضل ما مَرَرْتُ به، أزاحت عني ما أثقلَ كاهلي وأيقنت بذلك أن لا قيمة لنا إلا بصلاح الرباط الرباني.
وحسب المعتقد، فإن صلاتيْ العشاء والفجر من أثقل العبادات الدينية على المسلم، ليس لشيء إلا أن الأولى تؤدى في آخر الليل  والثانية في أول النهار حيث الناس نيام، فيعجز المرء على القيام بها إما تماطُلاً أو تَناسِيًا لأهميتها القصوى في الفتك ببعض من الراحة الدنيوية بعد دوّامة من التعب وفقدان الاتزان واستنفار للطاقة اليومية في خبايا الانتقال من عمل لآخر. وبدوري كمسلمة، أجد أن التشبُث بأداء العبادة في وقتها بيقين وثقة ربانيَيْن وإيمان لا يضاهيه ريب رحلة خاصة إلى عصارة اللحظات التي ترقى بك إلى مأوى الرحمن
فلطالما غمر الظلام دربنا ولفّه بكثبان من الألم الضائع ورشقه بحجارة من سجيل، محاولا تحطيم آثار الأمل المنبعث من بضع ركعات أشدّها وتراً أطولُها أمدا أقربُها إلى الباري عمقا، فانسابت الأغمام وانسلخت الأشجان معلنة أن لا صدى لنا في كنف الصّابرين على الأذى، المتأمِّلين بالأيام المقبلة والرافعين أيديهم للرحمن ..

خمسُ دقائق، هو عُمْرٌ يقدّر به زمن بوْح النفس لخالق الخلائق أثناء السجود بخشوع عظيم وذل رهيب، وكأنك تفتح ثقبا في أرجاء الأرض تخرج به للنجاة، لملاقاة هواء نقي، تنفصل به الهموم عن رحيق الثواني اللّاهفة للذهاب دون إذن، تستعيد فيها النفس  مَحياها وتواصل سيرها نحو مبتغاها، مودعة لقاء الطمأنينة، معتصمة بحبل الله والمؤمنون كافة.. يا الله، ارحَمْني الثبات عليها خوفاً من هون الضياع..  

والله نِعْمَ المُستجيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله