fbpx

عبثية الحياة.. عن رواية “ليالي إيزيس كوبيا”

قراءة متأنّية في كتاب واسيني الأعرج يتحدث فيه على لسان مَيْ زيادة

اقرأ في هذا المقال
  • وجهة نظر عن "ميْ زيادة" من خلال مؤلَّف ليالي ايزيس كوبيا للكاتب واسيني الأعرج

تهبُنا الحياة أشخاصًا نعتقد لفرط ثقتنا بهم أنهُم نحن في جسد آخر، ثم تصفعنا لتعيدنا إلى واقع يجعلنا مشدوهين أمام ما فعلوه بنا وأمام سذاجتنا في كشف أوراقنا كاملة أمامهم.. كيف لمن أَسْكَنَّاه الفؤاد وائْتَمَنَّاه على أنفسنا أن يصبح جلادنا؟ كيف للطمع والجشع أن يتمَكّن مِن أناس كانوا هم أقربَ الأقربينَ لنا فتنسيهم إنسانيتهم ليدفعوا بنا إلى الهاوية ويسلُبوا منا حياتنا رويداً رويدا؟

  • إني أموت، أتمنى أن يأتي بعدي مَـن ينصِفُني!

هذه كلمات مَيْ زيادة الأخيرة قبل وفاتها؛ الكاتبة التي عاشت مأساة كبيرة والتي صورها لنا الكاتب واسيني الأعرج في رائعته “ليالي إيزيس كوبيا” ، الرواية التي تحكي عن الطغيان الذي عانت منه الكاتبة مي زيادة وتُقرّبنا من مجتمع يعاني من ازدواجية مَقيتة، مجتمع يتحول أفراده إلى وحوش كاسرة ما أن يصبح الموضوع متعلقا بالمال والجاه ..

“ماذا يعني أن تكون مُثقّفاً في مجتمع يشرَب التخلف في كل ثانية، ويأكل نفسه بلا توقف؟”

واسيني الأعرج

“مَيْ”؛ المرأة التي ناضلت من أجل المرأة وكرست وقتها وجهدها للدفاع عنها وسطَ مجتمع لا يعترف بمجهوداتها بل يصورها على شاكلته. امرأة كسرت الحواجز التي يفرضها عليها محيطها حين ذاك، لتغوص في  أعماق الثقافة. تقول مي زيادة  “أشهد أنني لم أكن سهلة ولست سهلة، ولن أكون سهلة حتى الموت. امرأة من حيرة وانتظار لا أعرف مؤداه، وخوف مبهم يسَطِّره الآخرون لي“؛ هي التي لقّبَها خليل مطران بـ”فريدةِ العصر”، ومصطفى صادق الرافعي بـ”سيّدة القلم”، وشكيب أرسلان بـ”نادرة الظهر”..

هذه الكاتبة عانت من ظلم عائلتها لها كما أخبرنا الكاتب في روايته، أو بالأحرى من ظلم ابن عمها الذي كانت تعشقه بكل جوارحها والذي دبر لها مكيدة للاستيلاء على ممتلكاتها وزجها في العصفورية –مستشفى المجانين – تحت تهمة الجنون. فكان خطأُها الوحيد أنها وثقت به وسلمته كل ما تملك لاعتقادها أنه سندها الوحيد ودرعها الذي تعول عليه والذي تبقَّى لها بعد وفاة والدها ووالدتها.. حيث يقول الكاتب على لسانها: “لا أدري كيف سَلَّمتُه نفسي بلا أسئلة!! ربما هذا من معاصي الطفولة التي تستمر فينا بقوة حتى آخر يوم”.

عانت الأديبة طيلة سبعة أشهر من العزلة بالعصفورية، ومن حالات الهستيريا والصراخ اللَّذَين كانت تعايِنُهما من قِبل المجانين حولها، ومن التعامل المشين لها من طرف بعض الأطر من الطاقم الطبي. وكثيرا ما كانت تراودها فكرة الانتحار، إلا أن تربيتها وخوفها من خالقها وما تلقته من تعاليم دينية مسيحية من الأخوات بعنطورة هو ما كان يعيدها إلى صوابها ويجعلها تتراجع عن الإقدام عليه.

وخلال محنتها هاته، لمْ تُنصفها الصحافة – باستثناء جريدة “المكشوف” – رغم ما قدمته من أعمال أدبية مهمة باللغتين العربية والفرنسية، من بينها أول ديوان لها سنة 1904 بعنوان “أزاهير حلم”. و كذا امتلاكها لصالون أدبي ضم عديد الشخصيات البارزة حينها والكتاب العِظام  كطه حسين والعقاد وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وسلامة موسى وغيرهم… والذين لم يقفوا في صفها ولم ينصفوها حسب ما تحكي الرواية؛ حيث قالت وهي تبث خيبتها: منذ البداية أدركت أن صراعي سيكون كبيرا مع رجال شاخوا قبل أن يكتبوا. ولدوا مخرَّبي الأدمغة في غمار حداثة أكبر منهم لأنهم رفضوا كسر كل معوقاتهم الداخلية، كلهم بلا استثناء صناع الحداثة. كلما تعلق الأمر بامرأة مزقت الشرنقة مقابل ثمن غال دفعته من أعصابها وراحتها أخرجوا سكاكينهم..

إلا أنها سوف تسترجع حقها بعد مساعدة شخص لها – يدعى مارون غانم – وتثبتُ للجميع أنها تتمتع بكامل قواها العقلية بعد إلقائها لمحاضرة تحت عنوان – رسالة الكاتب في الوطن العربي- بِالوِيست هول في الجامعة الأمريكية بلبنان.

لكنها خرجت من العصفورية خائرة القوى، مثقلة بالأحزان والخيبات… وما لبثت أن استنشقت الحرية إلا قليلا حتى وافتها المنية يوم 19 أكتوبر 1941 حاملة معها خيبة أمل من وطن ناضلت من أجله ولم ينصفها أبناؤه، ومن عائلة طعنتها غدرا وأصدقاء أداروا ظهورهم عنها. فكما قالت: هل يعيد الدمع المدرار إلى ضلوعي أقدس مكنوناتي العاطفية لأرضي وناسي ووطني ولبناني؟

هذه الرواية جاءت منصِفة بشكل أو بآخر لكاتبة ساهمت في إثراء أدبنا العربي، وكادت قصتها أن تكون في طي النسيان ليسرق منها وجودا إبداعيا وإنسانيا واجتماعيا استحقّتْهُ بامتياز؛ فالأشياء التي تُكتَب من المحال أن تفنى..

هدى البصري

دعُوني الآن أحلم فقط وَلَوْ في عُمق الغياب يحق لي ذلك، ولو لثانية واحدة قبل أن أسير بخطى هادئة نحو أبدية الخلاص!

مي زيادة..

للتدوين والنشر معنا في مدونة زوايا .. راسلونا عبر الرابط
https://zawayablog.com/%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b4%d8%b1/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله