fbpx

“عبق الماضي” الجزء السادس

عن العلاقات البشرية

لقراءة مقالات سابقة لنفس الكاتب وتحت نفس المسمى:
(1)  (2)  (3)  (4)  (5)


ها أنا أعود للوقوف أمام شط البحر من جديد لأجد بين تكسر أمواجه ما تركته سابقا وجعلته أمرا أو عدة أشياء وانتهت سواء أشخاص قد عرفتهم أو علاقات اجتماعية غرامية بمختلف أنواع أو مشاكل مع المحيط …
جميعها بقيت بهذا البحر الهادئ الصافي، لكن عند كل مرة عند أعود إلى هنا أشاهد مقتطف الماضي الخاص بي فما تراه عيناي يمكن أن أعطيه عنوانا “من رحم المعاناة الممزوجة بالألم والآسى و خيبات الأمل”.

أن نسقط كما لو أننا رضيع أثناء قيامه بأول محاولة للمشي، قطار الحياة يجعلنا نتوقف لنتجرع مرارة الحياة الويلات قبل أن نخرج للشمس كما لو أننا سجناء معتقلون في سجون تازمامارت وبعد انطلاق القطار من جديد نعانق حريتنا بعد سنين طوال.
هنا أحدثكم عن مخاض متشابك أنجب حبا حقيقيا مضى عنه سنوات، لم تكن أول نظرة مثل المرة السابقة هي المحور لكن هذه المرة كانت لعبارة العابر دور مهم بها.

إن الحب معناه ليس ملخصا بكلمة أحبك فهو أكبر من أن يكون كلمات، نعرف جميعا وهذا أصبح بحكم التجربة أن أجمل شيء بالحب هو البداية، فالبداية تكون نعيما خالصا، لا ضوضاء ولا صخب، ليس هناك غير سعادة مفرطة وحياة هنيئة.

بهذه المرحلة يشعر المرء بسعادة عارمة وكأنه يعيش قصة خارقة للعادة، مع توأم الروح يشتركان بالكثير من الأشياء المتشابهة، يندفع الطرفان نحو بعضهما بشراهة، يستمعان بإمعان لحواراتهما والقصص، ما يجعلهما في المستقبل يفرغان اليوم لأجلهما؛ وأنتم أيضا أعزائي القراء قد تكونون قد تجاهلتم بأحد المرات مواعيد كثيرة لتبقوا معهم.
تسلم نفسك له، وتقتاد إليه راضيا، مكبلا بالانبهار دون أن ترى فيه أي عيب، كما لو أنه ملاك، تصبح الروابط أقوى وأشد صلابة، وحتى لو كانت المدة قصيرة فسينتج عنها تلاحم رهيب، ترابط في الأرواح حتى إذا ما نظرت إلى روحك وروحه تظن أنهما روح واحدة.

لشهور كاملة تعيش هذا الحلم كاملا كأنك بفترة تصوير عمل سينمائي وتقاس سعادتك بتلك الفترة كسعادة أولئك الذين يحجزون لأنفسهم بأضخم فنادق سردينيا أو على ضفاف جزر المالديف أو هاواي.

أن تحظى بمثل هذه القصة الاسثتنائية هي لضربة حظ باذخة وإنه لشرف لك أن تتذوق لذتها، لكن أن تستمر هذا التحدي المثخن بالدم والألم يقع على عاتقك أنت والطرف الآخر.

الأغلبية الساحقة -وأنا أيضا منهم- صارت تبحث عن البداية مثل المخمور الذي ارتشق أولى الرشفات دون أن تقتاده الغواية للثمالة، تفضل امتصاص الرحيق الشهي والهرب بعيدا كنحلة يافعة، هكذا بجنوح مراهق يهرعون إلى بيوتهم ويوصدون الأبواب عليهم حين يطرق أول ناقوس خطر، وتبدأ جدران العلاقة في الاهتزاز.

من المستحيل أن نحافظ على دهشة البداية إلا ببعض الحالات الخاصة والنادرة، لأن العيوب تظهر مع الوقت ثم الهفوات تحضر، خطأ من هناك وخطأ من هنا لتبقى مسألة وقت تؤكد لك أن الطرف الآخر مجرد إنسان طبيعي له عيوبه وإيجابياته؛ ليس ملاكا ولا شيطانا، بل إنه إنسان.
ولأن سقف توقعاتك مرتفع، تبدأ الخصامات العنيفة الضارية، الجميع مسموح له بالخطأ إلا هو، وأقصد هنا كلا الجنسين معا، لأن ملاكك الحارس الذي آمنته على أي شيء له قيمة، لذلك يجب أن يظل سندا وعونا وأمنا، دون أن تزل له قدم أو يغفو لبرهة.

هذا مستحيل بالتأكيد ويؤسفني أن إدراك ما يطلبون لاستحالته يستنزف منا الكثير من الألم والدموع، الخصومات، الظنون الهوجاء، الشكوك…. إن تقبل الطرف الآخر بزلاته وهفواته مسألة مضنية شاقة، لا يتكبد حجم ضررها إلا من يرى فيك بوادر التوهج وأنت في عز عتمتك، من يجلس في عز انكساره وسط حوض دموعه ويتذكر أن لك إيجابيات ويستحضر صورك ويضمها لصدره، ويؤمن أنك رغم ما فيك من عيوب ما تزال شخصا مميزا، رقيق المشاعر، يستند عليه..!

الجميع يهرب في هذه المرحلة تقريبا لأن الجميع يحبون صيف الأحضان والسكينة، لا أحد يخاطر بالرقص جوار الحافة ويقبل الشتاء بتقلبات عواصفها وتستقط أمطارها. لذلك تأكدوا بحكم التجربة أن من بقي بجواركم سيكون شخصا نادرا، على حد تقديري قد يتجاوز ذلك عدة أشخاص حسب طينة الشخص. فلو دخلت حربا بالمستقبل وخيروني بينهم وبين كتيبة من الجنود سأختارهم دونما تردد ليخوضوا معي الحرب.

في هذه المرحلة تحديدا، أي بعد إدراك كل ماسبق، يحدد الشكل العام للعلاقة وتبدأ في بناءها بناء حقيقيا، بعيدا عن الخيال والارتجال وبناء على العادات والعيوب التي ينطوي عليها الطرف الآخر.
تحترم أشياء و ترسم خطوطا حمراء محاولا قدر الإمكان تفادي اجتيازها، مع الحفاظ قطعا على حياة الحب المجنونة، وعلى العادات الجميلة والكثير من الأشياء المتشابهة التي جمعتكما أول مرة.

لطالما آمنت أن ما من شيء يأتي عبثا، فالموهبة كمثال تولد معك لكن تطويرها يقع على عاتقك، الحب هدية من السماء لكن الحفاظ عليه وبناء لبناته يقع على عاتقنا..!
فالحب ليس هو تسخير الطرف الآخر ليكون عبدا لأهوائك، يستجيب لكل ماتريد دون أن يكون له رأي ولا قرار وإن لم يفعل ذلك تهاجمه وتعتبره قد تغير ولم يعد كما كان، فهذه أنانية كبيرة.

لابد من الصبر والتحمل ثم الصمود، قد تجد الشخص الذي يشبهك ويروي ظمأك ويضيء مناطق العتمة بداخلك، لكنه لن يكون على مقاسك تماما أو تحت خدمتك طوال السنين.
إنه شخص لديه عيوبه كما تملك أنت عيوبا أيضا، ولديه لحظات انكساره وإنفعاله، وضعفه وتراجعه، أحيانا يخطئ أخطاء فادحة، ويحتاج منك الصفح والغفران ليستعيد ثقته بنفسه ويلملم شظايا شتاته.

لذلك على العلاقة أن تكون مثل كفتي الميزان، إذا رجحت الواحدة ارتفعت الأخرى، وإذا انطفأ أحدهما يوقده الآخر، وإذا تراجع أحدهما يشد عضده الآخر… وهكذا تقلب الأدوار حسب بوصلة الحياة.

هذا هو السبيل للمواصلة، عليكما تقبل وتحمل الوزر الثقيل والعمل على التطور والاجتهاد في فهم بعضكما لتحقيق التقدم وتفادي الوقوف في أحد الأيام أمام شط البحر ملقيين بعلاقتكما في قاع البحر وتتقصيان آثارها عند كل زيارة…

“عبق الماضي” الجزء السادس

الوسوم

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله