fbpx

عصر الصورة وأفول الكلمة

العلم صيد والكتابة قيد.. فيما قبل كانت الكتابة هي التي يلوذ إليها الإنسان لتدوين آلامه وآماله، أفراحه وأتراحه؛ لأنها هي المَعين الذي يَمْتَح منه الكائن للتعبير عن كل ما يشغل باله وما يجول في خلده. 
الكتابة كانت، على الدوام، حِصْنَ البشرية، عبر عملية تدوين العديد من الأعمال الخالدة، بمختلف مواضيعها، كما كانت، أيضا، لغة التواصل بين الأمم والشعوب، فالكتابة هي التي احتوت الإنسان، وأودع فيها كل ما يعيشه وما يؤثث العالم الخارجي؛ بفضل اللغة تم تسمية الأشياء ومُنِح لكل عنصر داخل الطبيعة اسم، حيث أدت اللغة دورا مهما في تحويل العالم الخارجي إلى عالم داخل اللغة، أي الانتقال من اللغة الطبيعية إلى اللغة الرمزية، حيث يصير الرمز أبلغ بكثير عبر عملية التمثل واستحضار الأشياء في الذهن. 
عندما نقوم بكتابة كلمة معينة لشيء موجود في العالم الخارجي، كلمة “شجرة” مثلا أو ننطق بها، فإننا نستحضر في الذهن نموذجاً معيّناً لتلك الشجرة وكيف يتمثلها كل فرد في ذهنه. فاللغة وفرت على الإنسان كثير من الجهد والوقت في تَمَثُّلِ الأشياء كما هي في العالم الخارجي عبر الوعاء اللغوي. 
مع ظهور التكنولوجيا وعصر المعلوميات، إضافة إلى المدونات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي.. كل ذلك أدّى إلى ظهور عصر الصور، ما جعلها تنتشر كالنار في الهشيم، بين الأفراد والمجتمعات، حيث أصبح التواصل بالصورة والاعتماد عليها بشكل كبير عوض الكلمة (الكتابة). هذه الأخيرة التي أصبحت في تراجع مستمر؛ نظراً لاحتلال الصورة لفضاءات عديدة، وفي حوامل مختلفة سواء في الأماكن الخاصة أو العامة. ما جعلها منتشرة بشكل مهول، نظرا لعامل سرعة الانتشار وكذلك لوجود مناخ الكتروني في أوساط المجتمعات في الألفية الثالثة، فالصورة تحمل دلالات ورسائل معبرة وكثيفة، كما أن لها تأثير على المتلقين،خصوصا الفئة التي تتعامل مع التقنية والأجهزة الذكية، والحوامل الإلكترونية. 
إن الصورة في عصرنا هذا أصبحت تحمل دلالات جزئية لأنها تنتقل بسرعة بين الأفراد، وأن جيل الهاتف الذكي واللوحة الإلكترونية، لم يعد قادر على القراءة ولم يعد له نفس طويل في التعامل مع ما هو تقليدي،كما نجد عامل الوقت الذي يعد من بين الأسباب التي جعلت الفرد يلجأ الى التعامل مع الصورة عكس الكتابة، نظرا للالتزامات التي يجب على الإنسان في حياته أداؤها، فالبحث عن طرق أقل جهدا ووقتا هي التي أدت إلى ذلك، وإلى التعامل مع الصورة، هذه الأخيرة التي راودت الإنسان عن نفسه في تلك اللحظة التي أدرك أنه لم يعد قادر على مسايرة ما هو تقليدي (الكتابة) وإن كانت هي ملاذنا الأول في سجن العالم الخارجي داخلها، ألا وهي “اللغة”، التي بفضلها ارتقت الأمم بحضاراتها على وجه البسيطة. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله