fbpx

عن العلم كأداةٍ لكسب العيش والوجاهة الاجتماعية! | الجزء الأول

يا دكتورة.. لا أريد أن أزُجَّ بك في صراعات أنتِ في غنى عنها، ولا أقصد أن أشيح بوجهي عن سلطتك القاصرة وقلة حيلتك، ولا أطالبك بأن تتحولي من أكاديمية تَدرُس وتُدرِّس الفلسفة لطلابٍ المفروضُ أنهم جامعيون إلى مُعلّمة مرحلة ابتدائية كل هدفها هو العمل على تكوين شخصية الطفل بصورة تجعله قادرا على الاختيار بحرية وتحمل نتيجة اختياراته أو التنقيب عن مواطن مهاراته لكي تَشُدي أزره في عمله على تنميتها أوترسيخ القيم الإنسانية في فؤاد ووجدان طفل في مستهل حياته الدراسية، ولكن المساحة التي تركتِها لي في الحديث معك والتي لم تأتِ بصورة صريحة منك بل جاءت بابتسامتك الناصعة -المفعمة بالود- التي لاتدع ثمة شكافي دلالتها على حقيقة المقصود (السماح لي بهذه المساحة)، هي التي دفعتني إلى تسطير هذه السطور التي بكل تأكيد ستكون أكثر وضوحاً من أفكاري التي تتشرذم وزلّات لساني التي ترزح عند الحديث معك تحت وطأة الخجل.ما زلتُ سيدتي أتذكر جملتكِ الأثيرة التي قُلتِها في إحدى محاضراتك (إتعَلَّموا حاگة عشان ماتتخرجوش فاضيين)؛ لن يستطيع أحد أن يعرف قيمة هذه الجملة جيداً دون أن يسبر أغوارها، فهي تطرح المبادئ المجتمعية الرائجة والمرسخة في ألباب أغلبية الطلاب أرضاً، فالعلم لأجل العلم وليس لأجل الوظيفة أو الامتحان للحصول على درجات مرتفعة، أعلم أن الامتحان ما هو إلا وسيلة للإختبار وهذا هو المفهوم الصحيح له، ولكن هذا المفهوم اختل مثلما اختل ميزان الأخلاق في مجتمعنا؛ معذرة إذا تطرقت لجوانب أخرى تبعد عن الفكرة الرئيسية، ولكن كما تعلمين، فجميع الأمور التي أريد التشابك معها هنا منفذها على بعضها البعض، فلن أستطيع أن أقول كل ما عندي دون أن أتحرر من وطأة التقيد في التشابك مع فكرة واحدة؛ لأن هذه الفكرة (العلم لأجل الوظيفة أو الامتحان) أُسِّست على أفكار قديمة ويبنى عليها أفكار جديدة.  قطعاً الظروف الاقتصادية والفكرة (الغبية) المعروفة بالمكانة الاجتماعية لهما نصيب في تشكيل قناعة الطلاب التي تجعل من العلم وسيلة للوصول إلى وظيفة تكون محل احترام من قبل المجتمع، وهذا ما يتضح من الأفكار التي كانت تُسَرب لنا آناء الليل وأطراف النهار من قِبل المحيط الذي نحيا فيها؛ فبكل صراحة حاولت أنا ألتمس أعذاراً للمحيطَيْن الأسري والمدرسي، قبل أن ألقي اللوم الذي سيكون أشد وطأة، ولكني لم أستطع، لأنهما من الأسباب الجوهرية في ما آل إليه وضع التعليم في مصر، فهما جزء من فساد مجتمع، هما اللذان لم يتورعا للحظة عن محاولة تنميط أجيالٍ وأجيال، هما اللذان قتلا الإبداع في نفوسهم، هما اللذان فرضا دروبا وقررا بحكم باتٍّ أن من لا يسير فيها سيكون موصوما بالفشل الذريع، وكأنهما استعبدوهم، بل والأنكى أن هذا الهُراء الغث يُتوارث من جيل إلى جيل، فأكاد أجزم أن الناجين من “ماكينة” التنميط من أبناء جيلي لا يوجد تناسب بينهم وبين المتعقلين بالعقلية القطيعية.فمما لاشك فيه أن الظروف الاقتصادية المضنية التي يبزغ أقراني من الطلاب من كنفها هي التي تشكل وجهة نظرهم، فمن الطبيعي أن من عاش تحت نير الفقر طويلاً سيكون من أشد المتيمين بمبدإ الفيلسوف مكيافيلي (الغاية تبرر الوسيلة)، وبالتالي فالعلم بالنسبة له ما هو إلا وسيلة لكي يحصل على شيء آخر أياً كان سواء أكان مالاً أو سلطة أو احتراما زائفا من مجتمعٍ جل أفراده يَدَّعون أنهم أصحاب قيمٍ نبيلة، وعندما نصارحهم بحقيقتهم يتم الرد علينا بحزمة من الاتهامات التي يكون حدها الأدنى اتهامنا بالصفاقة.فإن كانت الظروف الاقتصادية المتردية عاملا لا يختلف عليه اثنان، فإن هناك فكرة أخرى جوهرية تداهمني من وقت لآخر ومع الوقت بت مؤمناً بها وهي هل يوجد شيء اسمه مكانة اجتماعية؟ ولو افترضنا وجود مثل هذا المصطلح، فماهي ماهيته؟ في مجتمعنا يُعرف صاحب المكانة الاجتماعية بأنه هو الشخص الذي يمتلك سلطة أو مالا بغض النظر عن قيمة الشيء الذي يقدمه، قد تقولين لي كيف؟ أليس الضابط -على سبيل المثال- الذي يتمتع في وِجهة نظر المجتمع بمكانة اجتماعية يقدم عملاً ذا قيمة؟ ففي الغالب إجابتي ستكون كالآتي: بالله عليك هل يعقل أن يجوب أهالي متقدمي الكليات العسكرية بقاع الأرض للحصول على واسطة تزَكي أبناءهم، بل إن الأمر في بعض الأحيان يصل إلى حد دفع رشاوي لكي يضحي أبناؤهم بدمائهم في سبيل الوطن دون أن تسيطر عليهم هذه الفكرة اللعينة.طيب.. إذا لم تكن هذه الفكرة مهيمنة على عقولهم هل يعقل أن يجتمع الكافة من أهالي ومدرسين على مقولة واحدة (اللي مش هيْخِشْ طب ولا هندسة ولا كليات عسكرية يعتبر مَدْخلش كليات). ودون أن تسيطر على أذهانهم هذه الفكرة ودون أن يعبؤوا بميول أبنائهم، هل يعقل أن يورث الأكاديميون كرَاسيهم إلى أبنائهم دون أن تسيطر عليهم هذه الفكرة؟هُنا قد تقاطعينني بالقول: بالنسبة لهذه النقطة فكل أكاديمي له كامل الحرية في أن يُدخل ابنه ما يشاء بل لهذا الابن أيضاً الحق في أن يدرس ما يشاء؛ سأقول لك أن مزاعمك على قدر كبير من الوجاهة، ولكن يا عزيزتي لو افترضنا أن هذا الأكاديمي هو ملاك وأن جميع موظفي الجامعة التي يعمل فيها على غراره، وأنهم مهنيون إلى أقصى درجة ممكنة لدرجة تدحض احتمالية وجود محاباة لأبنائهم، وأن أبناءَهم أيضاً على غرارهم وغرار موظفي الجامعة، لم يريدوا اللحاق إلى الكلية أو الجامعة التي يعمل فيها ذويهم لأجل ضمان مقعد أكاديمي أو وجود ظهر لهم حتى لا يتم ضربهم على بطونهم كما يحدث مع الطلاب الآخرين – ولاد الغَلابة- فإنهم بذلك في الغالب سيكونون منمطين أي مُتَأَسِّين بآبائهم، فالخطورة هنا أعمق من فكرة المحسوبية بل تتعلق بذات الفكرة الرجعية وتعضيدٌ لادّعاءاتي..

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله