fbpx

عَ وْ دَ ةٌ!

عدت إلى مسقط الرأس، مرتع الطفولة ومرابع الصبى.. عودة للذاكرة الأولى، التي تختزل أننا لم نخرج من ظلمة البطن إلا ونحن نصرخ لأننا نتنفس خارجه لأول مرة، كما تقول العلوم، لا، يقينا لا، نحن نشاز في سمفونية خروج كل الأجنة من بطون أمهاتها.. 

نحن خرجنا نصرخ لأن ذلك الأوكسجين الذي دخل إلى رئتينا أول مرة لم يكن نقيا البتة، بل كان متعفنا حد القرف، خرجنا نصرخ لأن حدسا ما كان يدفعنا لرفض الخروج من ظلمة ألِفنا ضيقها، إلى ظلمة موحشة ومتوحشة لا ينتهي اتساعها إلا ليبدأ في توسع آخر.. 

يا صاح، لتقترب من ذاتك، ابتعد عن دير العبث هذا، حيث يعتكف العجز والضياع، وتفر الإرادة، تغتال في عنفوانها، ويُفرض شيء لا مرئي عليك يتنَصل منها؛ بحيث تغدو لها وتغدو لك بلا قيمة.. 

أراهنك يا صاحبي بكل ما أملك، إذهب وابحث، فإن وجدت فيها شيئا واحدا مكتمل النمو والأركان فلك ما تريد.. 

مدينة الرياح والعدم هذه، مبتورة، وكل شيء فيها مبتور من جذوره، لا شيء فيها مكتمل إلا أوهامنا، وتخيلاتنا في الوسن والصحوة.. تلعب معنا لعبة غير معلنة، وكلنا متواطئ فيها بإرادة و أريحية متناهية، تلعب معنا لعبة الوهم؛ إذ تُوهِمنا بأننا “نكاد” أن نكون، بينما لا نتجاوز عتبة “نكاد” حتى يتجاوزنا ركب الحياة.. 

وستبقى “نكاد” تلك عالقة بين الوجود والعدم، بين الكاف والنون، تنتظر من يقول “كن” فتكون، وها هي حبيسة اللا وجود، تتخذ من دياجيرِ الليل حشرجاتٍ في حلق الصباح، ومن آهات كهلٍ تسكن فيه بين العظم والأنين، حيث صار شكلا وصوتا لها، تستوطن بواطن الأشياء، وتتقد تحت مراجل الأيام؛ باقية وتتمدد رغما عنا، مُتَبَتِّلة في منتصف الحلق بسادية الجلاد، وعنجهية التتار، توقد آلام خروج أرواحنا من هياكل أجسامنا بالتقسيط الموجع.. 

هذه المدينة القميئة ملعونة، تسكنها لعنة موبوءة، وتسكننا معها، توغلت فيها إلى سحيق ذواتنا، نحبها بشكل مرعب، ونكرهها بقدر متناهٍ، لكننا لا نعرف سواها مهدا لحماقاتنا الأولى، ومسرحا لدنيا لم ينل منا حبور طائش منها، أو شهوة مشتهاة، لا شيء سوى الألم والعدم.. 

العيون.. مدينة العدم، عيون تحجرت في مكانها، وخَرَزَات مجهولة تخشبت في مِحجريها، نكتفي فيها بأسماء الأشياء فقط، أسماء نستعملها مجازا، فيما كان يجب أن تكون أسماء تطابق مسمياتها.. فهذا شبه شارع تتلألأ فيه الأنوار ظلاما، وذلك تجويف مظلم كأنه زقاق، وتلك كتلة أسمنت أصم مربعة الشكل تشبه بيتا، وهكذا حتى تكتمل صورة شبه المدينة التي نبتت بين مفاصل الواد والكثيب.. 

ولكن.. بين كثيب الحزن ووادِ الوجع، يطفوا ملح الدمع، ملح لا زال يختزل موت الحياة في السباخ.. 

ولكن.. ما نفع هذه الثرثرة يا كثيبِي الكئيب، المغدور في عمق سُوَيدائه حد الوجع..

ما نفعها، أم أنها ذكرى تلتحف “عَ وْ دَ ةً”!؟!..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله