fbpx

فراغ

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “نعمتان مَغبون فيهما كثيرٌ من الناس؛ الصحة والفراغ”.  ~رواه البخاري~
ارتأيتُ أن أبتدئ من حيث من المفترض لي أن أنتهي. عندها حتى في حالة مللت حديثي، تكون قد سجلت حديث خير الأنام في مفكرتك. فكلما ألفيت نفسك لا شغل لك، استفقت من غيبوبة كسلك باحثا عن شيء تروي به فراغك.
الفراغ في حد ذاته أنواع، هناك من يكابد فراغا روحيا حيث لا مكان للعقيدة ولا للتأمل ولا العبادة في حياته. يتخبط بين دين لا علم له حوله إلا ما درَّسوه إياه في أقسام المدرسة الابتدائية بمقررات مروَّضة، وبين لا ممارسة لشعائرَ يستصعبها من صلاةٍ أصلها كان خمسين صلاة عوض خمسة، وصوم كان لشهرٍ في حر الصحراء أضحى صوما أغلبنا يقضيه محاطا بالمكيفات الهوائية بعد أن تسحر بما يكفيه ليومين بدل 14 ساعة فقط، وحج كان الناس يأتونه داميةً أقدامهم وفي أفضل الحالات على دابة بدل طائرة توصلك إلى مكة المكرمة بينما كنت تقضي قيلولتك المعتادة… وما هذه إلا أمثلة تدل على كون مسلم اليوم ناكرٌ للجميل رغم الظروف التي تعد أكثر من مميزة بالنسبة لمسلم البارحة؛ وهذا إن دل فإنما يدل على تشبعنا بماديات الغرب.
و حتى لا نخرج عن الموضوع، فإن الفراغ #الروحي ما هو إلا ترجمة لابتعاد الإنسان عن فطرته السليمة، التي تحثه على طلب الرزق والنجاح وبالعمل قبل الدعاء،فأن تدعو الله تعالى أن يجعلك غنيا ومكتفيا ذاتيا بينما لا تحرك ساكنا إلا لوجهتين: المطبخ والمرحاض؛ هو في حد ذاته استفزاز للرب تعالى واغتصاب للمنطق البشري المبنىي على 1+1=2 بمعنى العمل + الدعاء = التوفيق.
 
كما نجد الفراغ العاطفي وهو حالة يتخللها شعور بالغربة، وفي مراحل متقدمة يتحول إلى شعور بالوحدة. هذه الأخيرة تعد معضلة يعاني منها الغرب بالخصوص، حيث أنه كلما طغت المادية كلما انحسر ذلك الحس الاجتماعي، فيَعُم التفكك الأسري المكان، ويسعى كل واحد لمصالحه الشخصية، بل قد تتجرأ عليه نفسه فيستغلك أو يدوس عليك بقدمه فقط ليصل إلى مراده أو بالأحرى إلى حتفه.
و هو أيضا من مضاعفات الفراغ الروحي، فعندما تبتعد عَمَّن خلقك سيبتعد عنك خلقه أو قد تكون أنت المبادر أصلا، فتتحول المسألة إلى فلسفة لامبالاة حتى يخطفه الممات.
 
من جهة أخرى نقابل فراغا معنويا.. وهو فراغ قلبي، فكري ونفسي، لُبُّه عدم وجود معنى للحياة لدى الشخص، وهو أيضا من مخلفات الفراغ الروحي. فتراه حي الجسد ميت الكيان، موجودا ماديا غائبا جوهريا، لا هدف له يعمل لأجله، ولا همَّ يراوده يهتم لأمره؛ فراغ يتخلله فراغ. عدد كبير من ضحاياه ينهُون حياتهم منتحرين أو يعيشون بيننا منعزلين، لا هم مكتئبون فيتداوَوْن ولا هم سعداء فيستمتعون!
لهؤلاء أقول.. عليكم بجلسة مع الذات، تحاورونها بغية التعرف عليها، حينها تتمكنون من تحديد ما تحبون وما تبغضون، فتعطونها من وقتكم وتمتعونها بممارسة هواياتها المفضلة. فذواتكم هي من قالوا عنها “في داخل كل شخص طفل صغير” وما أحب الطفل الصغير للدردشة و المداعبة.
فيأتي الدور على الفراغ الوجودي الذي ما هو إلا مرحلة متقدمة من سابقه، حيث يصل الإنسان إلى درجة يمل حياته جملة وتفصيلا. فيُضحي متمنيا الموت متلذذا باقتراب نهاية الفيلم. والناظر في أحوال الناس اليوم يرى تفشي هذا النوع من الفراغ الذي هو نتاج الفراغ الروحي أساسا. فعندما يعبد الإنسان المادة ويمسي كل هَمِّه سيارات فارهة ومنازل فخمة وسهرات ماجنة وسفريات دائمة، بدل أن يعمل على تحقيق مراد الله تعالى في الكون “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57)” [الذاريات]
عندها يكون من الطبيعي أن تختل بوصلة الوعي البشري، فيجد نفسه تائها ضَجِرا رغم ظروفه الميسرة. كيف لا وقد حرق المراحل؟ فإن الدنيا دار امتحان والآخرة دار الجزاء لا العكس.
 
وبهذا نصل إلى الفراغ الوقتي أو بالأحرى الحسي، في ألفية الهواتف الذكية و ألعاب الفيديو و الموسيقى القابلة للتحميل والطلبيات التي تصلك حتى باب المنزل… هكذا تم ترويض الجيل الذهبي على الكسل والعجز والتقاعس والشكوى 24 ساعة متواصلة؛ نعم أنا لست ضد تحسين الظروف وإعمال الروبوتات لخدمة البشر واختراع الجديد المفيد… ولكن انظر من حولك ! الفراغ في كل مكان، عندما تحاور أحدهم تجد عقله فارغا ، عندما تمر من الحي تجد أولاد الجيران مجتمعين يقتلون الفراغ على حد قولهم، عندما تعاين أبناءك تجدهم فارغين يدردشون على هواتفهم… إنها أزمة فراغ و ذلها حلول؛ ابحث لنفسك عن هوايات بناءة، كالمطالعة والبرامج الوثائقية والرياضة والآلات الموسيقية…، تعلم لغات جديدة سواء بالتطبيقات أو بالكتب أو حتى بالأفلام، تعلم مهارات جديدة كاللغات البرمجية، المونطاج، التحرير الصحفي…، قم بأعمال تطوعية كتنظيف الحي أو عيادة المرضى…، تعلم الطبخ وأعمال المنزل فوالله ليس عيبا، سافر وتعرَّف على أماكن ساحرة وأشخاص جدد… وحتى إن تاهت بك الخيارات عليك بالمطالعة ! سواء بالكتب أو بصفحات الفايسبوك الهادفة أو بالمدونات… فهل ما زلت تتجرأ على ترديد القولة المغربية الشهيرة : “وا ماكايْنْ ما يْدّار أصاحْبي !”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله