fbpx

فيلم A Quiet Place .. مثال لسينما الرعب الحديثة المميَّزة

عن براعة سينما الرعب | #قراءة_في_فيلم

قدمت لنا السنوات الأخيرة العديد من أفلام الرعب المتميزة، والتي اتسم كل واحد منها بأسلوبه ونمطه الخاص، أفلام من طينة The babadook، It follows، The invitation، The Descent ، Get out، و It comes at night. كلها أفلام تتحلى ببراعة متقنة لمخرجيها وكتاب سيناريوهاتها في تقديم المواضيع والقصص السينمائية بطريقة تتماشى مع العصر الحديث للفن السابع، ليأتي عام 2018 ويقدم لنا في شهر أبريل فيلم “مكان هادئ” لجون كراسينسكي ومشاركة المخرج المعروف مايكل باي في عملية الإنتاج.

تقع أحداث الفيلم في المستقبل القريب (بعد سنوات قليلة من الآن)، حيث حصل شيء غريب على كوكب الأرض، فقد تم القضاء على معظم سكان الكوكب الأزرق من قبل كائنات ضِخام الحجم،  يستطيعون التواصل فيما بينهم من خلال القيام بأصوات مميزة خشنة وفي نفس الوقت يمتلكون حاسة سمع فائقة الحساسية، لكنهم لا يستطيعون الرؤية ويتميزون بقشرة جلدية خارجية غريبة ومرعبة. 

في خضم ذلك، تحاول عائلة مكونة من خمسة أفراد العيش بسلام وخَلْق حياة لأنفسهم ومحاولة البقاء على قيد الحياة عبر عدم التحدث فيما بينهم، واستعمال لغة الإشارة خصوصا من أجل القدرة على التواصل مع الإبنة الكبرى ريغان الصماء واجتناب مهاجمة الفضائيين لهم وكذا القيام بأقل قدر من الضوضاء لتفادي سماعهم من طرف الفضائيين.

يتميز الفيلم بوجود حوار قليل مع وجود أصوات عامة بشكل ضئيل، الشيء الذي عبر عن مكنون الفيلم وخصائصه باعتباره يركز على الصور البصرية، بالاضافة إلى أن العنوان يعبر بشكل عام عن مضمون الفيلم “مكان هادئ” حيث أن العائلة تحتاج إلى الهدوء للنجاة.  تُقَدم القصة الخلفية (Back story) عن ما حدث من خلال مجموعة من العناصر الفريدة حيث لم يعتمد على الحوار في تقديم المعطيات وشرح ما حدث في الماضي، بل ارتكز على الخلفية في المشهد السينمائي من خلال (جرائد، ملاحظات…) ليحكي بالصور عوض الكلمات (استنادا على الصمت) القصة الكامنة في زمن الماضي. 

ما يميز الفيلم عن غيره من أفلام الرعب الحديثة هو نمطه قديم الطراز وتكريمه لأفلام الرعب والتشويق في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، من خلال اللقطات الواسعة (Wide shots) التي استخدمتها مديرة التصوير شارلوت بروس كريستينسين في مشاهد الهجوم، بينما تم استخدام اللقطات المقربة من وجوه وملامح الممثلين للتعبير عن الهلع والذعر الذي يتملكهم طيلة الوقت خصوصا في لحظات ما قبل مداهمة الفضائيين لهم أو في أحداث الترقب أو في مشاهد الهفوات التي تقوم بها الأسرة (في مشهدٍ تم تشغيل لعبة خطأ من طرف أحد الأطفال).

لم يعتمد الفيلم على القفزات المخيفة أو ما تعرف ب (Jump scares) ، بل عوض ذلك تم التركيز على الموسيقى المفزعة التي كانت من إبداع ماركو بلترامي وأيضا التصوير السينمائي الذي كان متصلا بالشخصيات وجماليا بشكل هائل، لذا أصبح المتفرج مرتبطا بالشخصيات الموجودة في الفيلم، ففي لحظات معينة قد لا نظن أن هذا الفيلم هو فيلم رعب بل فيلم درامي بحت، فقد استطاع المخرج الشاب هنا إخافة المشاهدين و في نفس الوقت حكي قصة مؤلمة وهذا هو السبب الرئيسي الأول لنجاحه، عبر الاعتماد على عناصر سردية متصلة فيما بعضها البعض حيث تصب في خانة معالجة موضوع أسرة حزينة تأمل في النجاة بحياتها، بالإضافة إلى عناصر أخرى ضَمَّنَها الفيلم خصوصا حمل الأم إيفيلن والذي أعطى تشويقا أكثر لبقية الفيلم، حيث يبدأ المتفرج في التساؤل عن كيفية البقاء على قيد الحياة وكيف ذلك غير إبقاء المولود الصغير صامتا طيلة الوقت، الشيء الذي يبدو للجمهور مستحيلا.

الحب، الأمل، الرغبة في الحياة، الأسرة، الأبوة، الأمومة، الحمل، الندم، تأنيب الضمير، الطفولة ؛ كلها مواضيع تمت معالجتها داخل الفيلم سواء بطريقة مباشرة أو عبر استعارات ذكية استعملها كُتَّاب السيناريو وطبقها المخرج على أحسن ما يرام في مواقع دقيقة سواء في الحوار (مثل مشهد الأب مع ابنه في النهر) أو في المشاهد الصامتة.

تصميم الصوت ومونتاجه كانا من أبرز جماليات الفيلم، حيث كانا استثنائِيَّين وغير اعتيادِيَّين في أفلام الرعب الهوليوودية، حيث استطاعا تخويف المشاهدين عبر الصوت من جهة، ثم التحول إلى الصمت والعودة مجددا للأصوات المرعبة للفضائيين، وهذا جد نادر في أفلام الرعب؛ للإشارة فإن مونتاج الصوت تم ترشيحه لجائزة أوسكار العام الماضي.

تنفجر القصة في الفيلم في الفصل الثالث(Third acte) بذِروة سينمائية مشوقة معتمدة على إخراج ذكي من كراسينسكي وحركات الكاميرا وملامح الممثلين، حيث أبقى المشهد الأخير المشاهدين في شوق ورغبة لمعرفة القادم من الأحداث، فالجزء الثاني للفيلم سيخرج للوجود في 2020، فكيف ستكتمل القصة؟ وهل ستنجو العائلة من هذه الكائنات؟ هذا ما سنكتشفه في الجزء الثاني من فيلم (مكان هادئ) في شهر مارس من هذا العام. 

يشكل الفيلم تحولا مهما في مسيرة جون كراسينسكي، فبعد دوره الشهير جيم هالبرت في مسلسل The office الكوميدي وتجربتين سينمائيتين في الإخراج السينمائي كانت الأولى سنة 2009 بفيلم (مقابلات قصيرة مع رجال بشعون) والثانية سنة 2016 بفيلم The Hollars، استطاع الفيلم جعل كراسينسكي مخرجا سينمائيا هاما في سينما الرعب الحديثة، والتي تميزت بتحول العديد من الفنانين من الكوميديا إلى سينما الرعب، أبرز مثال على ذلك هو المخرج/الكاتب الكوميدي جوردان بيل بفيلم Get Out الذي أنتج سنة 2017 وفاز من خلاله المخرج على جائزة أوسكار أفضل سيناريو أصلي سنة 2018.

شخصية إيفلين (التي تلعبها الممثلة البريطانية إيميلي بلانت) التي قدمت أداء خياليا، أعتبره أفضل أداء تمثيلي في مسيرتها الفنية وأحد أفضل الأداءات التمثيلية في 2018، والذي لم يكن الأداء الوحيد لها في تلك السنة بل قدمت دور ماري بوبينز وترشحت من خلاله لجائزة ‘غولدن غلوب’.

خالد موقدمين – مخرج أفلام وثائقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله