fbpx

قراءة في كتاب د.الجابري “تكوين العقل العربي”

تقديـم الكتاب

عرَض د.الجابري في تقديمه للكتاب لتصوّره الشامل والكامل حول مباحث الكتاب “تكوين العقل العربي” ومشروعه النقدي الجديد الذي أسماه بـ” نقد العقل العربي”، وكذا أهمية النقد وضرورته المُلحّة في ظل انعدام العقلانية والموضوعية في تلقي وقراءة تراثنا اللغوي والفكري والديني والعلمي.

القسم الأول: “العقل العربي” .. بأيّ معنى؟

تناول دكتورُنا في هذا القسم ثلاثة فصول، حاول من خلالها أن يحدّد تعريف العقل عند العرب، إذ وجده يرتبط عندهم بالأخلاق وبعدَها المعرفة، في حين نجده عند الغربيّين يرتبط بالمعرفة ومن بعدِها الأخلاق. كما تطرق كذلك لمدى تأثير ثقافة معينة على ذهنية الفرد الذي يعيش داخلها وكيف يعايِشُها في زمان غير زمانها الذي نشأت وتبلورت فيه، وفي نفس السياق أكد على مفهوم ” الزمن الثقافي “.
انتقل د.محمد عابد الجابري، بعد ذلك، إلى تحديد الزمن والمرجع الذي سيجعله مَركزاً ينطلق منه في نقد العقل العربي وقد حددهُما في عصر التدوين باعتباره يشكل حلقة وصل بين الماضي (العصر الجاهلي، صدر الإسلام، الأموي) والمستقبل (العصر العباسي، الأول، الثاني، الثالث، عصور الانحطاط) على اعتبار أن التدوين بدأ خلال القرن الثاني الهجري، وبالتحديد سنة ثلاثة وأربعين ومائة للهجرة، فقاموا بجمع اللغة من الأعراب الأقحاح وتدوينها والتقعيد لها (من العصر الجاهلي)، بالإضافة إلى جمعهم للحديث النبوي الشريف (عصر صدر الإسلام)؛ وبالتالي كان عصر التدوين هو المرجع الأساس للعقل العربي والثقافة العربية ككل.
فَصَّلَ الجابري في مؤلفه في بنية اللغة العربية تركيبياً ومعجمياً، وكيف ساهمت في تشكيل عقل عربي قائم على منطق رياضيٍّ صارم؛ وهذا الأخير، على الرغم من كونه ساهم بشكل كبير ومدهش في تقوية اللغة العربية، إلا أنه جعلها لغة لاتاريخية ومحدودة التطور، فالنحو لا يزال هوَ هُو، والصرف كذلك؛ ولم تحدث إلا شروحات وتعليقات عن “عين” الفراهيدي و”كتاب” سيبويه، كما أشاد بجُهد الأول في ترتيب الحروف في معجمه الموسوم بـ”العين” وبتفاني صاحب اللسان -معجم لسان العرب لابن منظور- كذلك في حرصه على جمع اللغة العربية وعبَّر عن إعجابه الشديد بمنهجهما في الجمع والترتيب والتبويب.
 

القسم الثاني: تكوين العقل العربي.. المعرفي والإيديولوجي في الثقافة العربية

يُبيّن الدكتور الجابري من خلال هذا القسم الذي وزّعَه إلى سبعة فصول، البنية الفكرية والثقافية التي تكوِّنُ العقل العربي باعتباره عقلا لغويا، منطقيا، وفقهيا بالضرورة قائماً على “القياس”؛ أي قياس الغائب على الشاهد ورفض أي جديد لا يتصل مع القديم حسب الأصول الفقهية الأربعة التي أرساها الشافعي في “الرسالة”: الكتاب، السنة، الإجماع، القياس. إذ جعل العقل العربي لا يؤمن إلا بما يرتبط بالقديم، أي رَبَطَهُ بالأصول الفقهية (رؤية أفقية).. وقد انتقلت هذه الأصول الأربعة إلى ميدان علوم اللغة والبلاغة كذلك، فأصبح لدينا منهج موحد ومتكامل يجمع بين مجموعة من العلوم العربية والتي أسّست للبنية العقلية العربية.
بعد ذلك، ينتقل د.الجابري إلى تبيان المعقول الديني في مقابل اللاّمعقول العقلي؛ إذ يقصد بالأول عقيدة التوحيد (الإسلام)، وبالأخير العلوم السرية للهرمسيين (الكيمياء، التنجيم، الخيمياء، التطبيب..) وكيف تم تطبيقها من طرف الشّعُوبية والغنوصية لمواجهة الدولة العباسية وتفكيكها داخلياً.
على هذا الأساس عرَض المؤلِّف لمعتقدات المانَوِية والصّابئة، مشرّحًا في عقائدهما بشكل واضح انطلاقا مما قرره الشهرستاني في مصنفه “الملل والنحل”، الذي اعتبره (الجابري) يحمل مغالطات كبيرة بخصوص علوم الأوائل (الفلسفة). في السياق ذاته، أوضحَ الكيفية التي استطاعت بها المانوية والصابئة أن تستخدم الفلسفة لمحاربة الدولة العباسية، وكيف انبرَت هذه الأخيرة للدفاع عن الدين الإسلامي عبر تجنيد المعتزلة من طرف المأمون بن هارون الرشيد للرد على المانويين وضلالاتهم، لكن الأمر لم يطُل به الأمد كثيرًا؛ إذ سيطفح كيل السُّنة في فترة حكم المتوكل وستعود الأمور إلى مجاريها باتخاذ المذهب السني مذهبًا رسميًا لدولة بني العباس.
بيَّن الجابري من خلال فصله المعنوَن بـ”العقل المستقيل في الموروث القديم” الأسسَ المنهجية والموضوعاتية للفلسفة الأفلاطونية الحديثة والفيثاغورية الجديدة، مركزًا في الأولى على جهود نومينيوس الأفامي في هذا الإطار وفي الثانية على مدرسة الإسكندرية بعد موت الإسكندر الأكبر وحكم مصر من طرف بطليموس الأول. ثمّ، يعرّج بعد ذلك المؤلف على الكيفية المنهجية التي قامت بواسطتها الديانة الهرمسية من استثمار علوم الأوائل (الفلسفة) وكيف انتقل التصور الفلسفي الهرمسي للإلهيات (اللاهوت) إلى العلماء والفلاسفة العرب، إذ ذكر بعض آراء أبي بكر الرازي في الطب وجابر بن حيان في الكيمياء اللذيْن اعتبرهما كانا يشتغلان بالعلوم السرية للهِرمسيين كالتنجيم والكيمياء والخيمياء والطب؛ التي قام خالد بن يزيد بن معاوية بترجمتها من الإسكندرية من مصر خلال النصف الثاني من القرن الأول للهجرة، مع التركيز على مضمون الديانة الهرمسية وأسسها التي أرساها هِرمس في كتابه “مثلث العظمة”.
بهذا انتقل العقل المستقيل أو اللامعقول العقلي إلى الثقافة العربية الإسلامية وتبنّتْهُ بعض الفرق الإسلامية كالمتصوّفة في “رسائل إخوان الصفا وخِلّان الوفا”.. كما يكشف عن مظاهر التأثر الهرمسي في القائلين بالحلول والاتحاد كالحلاج وابن الفارض والبوني وغيرهم، منبِّها إلى أقسام المتصوفة واختلافاتهم ومبرزا تغلغل الفكر الهرمسي إلى بعض فرق الشيعة كالإسماعيلية وما حدث من صراع داخلي بين النظام البياني العربي-الإسلامي، والنظام العرفاني، علوم الأوائل، العقيدة الهرمسية، والتصوف.
يختم الدكتور الجابري قسمه الثاني بالحديث عن النظام الثالث من نظُم المعرفة التي تأثرت بها الثقافة العربية بعد البيان والعرفان، ألا وهو البرهان، ويقصد بهذا الأخير الفلسفة اليونانية، وبالخصوص فلسفة أرِسْطُطَاليس التي تأثر بها مجموعة من الفلاسفة العرب، واستخدمتها المعتزلة في عهد المأمون بعد أن قام هذا الأخير بتشجيع حركة الترجمة عن اليونانية وقام بدعم المعتزلة لغايةٍ سياسية محضة؛ تمثّلت في دحض أفكار العلويين (الشيعة) والمانويين الذين كانوا يشوّشون على الخلافة العباسية ويخوضون حروبا غنوصية ضدها.

الخاتمة

 بعد توضيحه للكيفية التي حضرت بها الفلسفة اليونانية في الثقافة العربية الإسلامية، يختم المؤلِّف كتابه بذكر بعض أسباب تخلُّف العرب والتي أرجعها إلى التضييق على الفلاسفة والعلماء؛ كما هو الشأن بالنسبة لابن الهيثم مكتشف علم البصريات الذي ضيق عليه أبو حامد الغزالي. كما ضيّق على الفلاسفة أيضا وكذا الفصل بين الفلسفة والدين واستخدام الأولى لأغراض سياسية محضة تتصل بإثبات أحقية الإمامة والخلافة ومواجهة من ينكرونها عن فئة ما بالحجج العقلية تارة وبالأصول الفقهية الأربعة تارة أخرى، مستعينين في ذلك بالمنطق الأرِسْطي. هنا، أشار الجابري إلى جهود ابن رشد في الجمع بينهما وعبَّر عن استحسانه لمشروع ابن رشد معتبراً إياه “مشروعا نهضوياً”.

 

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله