fbpx

“قضية الصحراء” قراءة في الجذور التاريخية للنزاع ومسار التسوية – الجزء الثالث

بحث تاريخي سياسي مفصل عن قضية الصحراء المغربية

لقراءة الجزأين السابقين من البحث:

“قضية الصحراء” قراءة في الجذور التاريخية للنزاع ومسار التسوية – الجزء الأول

“قضية الصحراء” قراءة في الجذور التاريخية للنزاع ومسار التسوية – الجزء الثاني


في خضم كل هذه التطورات التي صاحبت ولادة “جبهة البوليساريو” لم تكن نوايا هذا التنظيم انفصالية، لأن هذا التنظيم في أصله لم يكن انفصاليا في نشأته، والدليل على ذلك المذكرة التي وجهها أحد مؤسسي الجبهة الوالي مصطفى السيد سنة 1973 إلى بعض الأحزاب السياسية المغربية أورد فيها ” … نتيجة لهذه الهجرة المتعاقبة صوب الصحراء والمعاكسة أحيانا منها إلى المغرب وكثيرا ما كانت تمارس سلطات مركزية من قبل هذه الحكومات على سكان المنطقة، … ويمكن القول أن المنطقة كانت مغربيةً كسائر الأقاليم المغربية -25- كما يعتبر الوالي أن الصحراء الغربية كانت تاريخيا مرتبطة عضويا بالمغرب وأنها تشكل عمليا جزءا منه، ويربط هذا الأخير الهجرات المتبادلة فيتحدث عن بنية اجتماعية واحدة خاضعة لنظام قبلي مشترك تطل منه الصحراء بوصفها جزءا من بنية مغربية هاجرت إلى الصحراء بشريا -26-. ويؤكد الوالي مصطفى على الترابط التاريخي المصيري بين الصحراء الغربية والمغرب من خلال اعتباره أن الصحراء كانت نقطة استراتيجية في صراع القوى الاستعمارية على المغرب  -27-.
إذن ونحن بصدد عرض موقف أحد مؤسسي جبهة “البوليساريو” مصطفى الوالي، قد نجزم أننا بصدد تنظيمٍ هدفه طرد الاحتلال الإسباني ليس إلّا في أفق الاستقلال.
في بداية التأسيس هذا الطرحُ كان رئيسيا، لكن أمام انسداد الأفق خاصة بعدما رفضت قيادات الحركة الوطنية (علال الفاسي، عبد الرحيم بوعبيد) دعم الوالي والتحرك السياسي معه، وبعد وفاة هذا الأخير في يونيو 1976، ستبرز معالم الانفصالية للتنظيم لاسِيَما بعد رئاسة محمد بن عبد العزيز المراكشي، الذي أشرفت الجزائر على تنصيبه أميناً عامّاً في المؤتمر الثالث للجبهة الذي انعقد سنة 1976.

تبَعاَ لهذه التطورات وفي أوجِها، كان المغرب مُنصَبّاً على تصعيد موقفه إزاء الوحدة الترابية، خاصة بعد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي أقر بأن الصحراء الغربية لم تكن أرضا بلا سيادة كما تدعي إسبانيا أثناء استعمارها، بل كانت هناك روابط البيعة بين سلطان المغرب وقبائل الصحراء الغربية -28-، ترافق هذا الرأي الذي ألجم التحرك الإسباني بالإعلان عن تنظيم المسيرة الخضراء لاستعادة الصحراء الشيء الذي أدى لانحياز قيادة الجمعية العامة للصحراء ونواب الكرتيس الصحراوييين إلى جانب المغرب -29-.
استتبع هذا الحدث توقيع اتفاقيات مدريد 14 نونبر 1975 بين المغرب وإسبانيا وموريتانيا التي أسفرت عن انسحاب الاحتلال الإسباني من الصحراء المغربية، ومن دون شك بعد انسحاب إسبانيا برزت معالم الانفصال من طرف جبهة “البوليساريو”، ففي أواخر شهر فبراير سنة 1976 تحركت هذه الأخيرة في إطار رسمي يضم الثورة والجمهورية والحكومة والمجلس الوطني والهيئات الشعبية لتحرير إقليم الساقية الحمراء ووادي الذهب، وفتحت أمامها أبواب العمل الدبلوماسي والحرب المسلحة في وقت واحد، ومن منطق تنظيمي واحد وبنية تنظيمية واحدة، سيدخل الملف أطوارا أخرى حيث سيصبح من بين أبرز النزاعات الحدودية التي ستثير إشكالية تقرير المصير، واستكمال الوحدة الترابية، سواء على المستوى الإقليمي إلى غاية سنة 1984، أو على المستوى الدولي في إطار الأمم المتحدة.
فعلى المستوى الإقليمي فالسؤال الرئيسي عن قضية الصحراء في علاقاته بمنظمة الوحدة الإفريقية، يدور حول الدور الذي لعبته هذه الأخيرة للسير قدما نحو البحث عن حل للنزاع، لكن هذا السؤال بقدر ما يحتمل إمكانية الصواب، فإن تداعياته أصبحت تعتبر وكأنها عاملا لتقوية النزاع، خاصة بعد الانحراف عن مسار البحث و الحلول الممكنة، وانسحاب المغرب من المنظمة.
لقد لعبت منظمة الوحدة الإفريقية في البداية دورا محوريا في تصفية الاستعمار في الأقاليم الصحراوية المغربية -30-، إذ بناء على طلب الحكومة الجزائرية في مؤتمر القمة العربية الأول عام 1964 جرى نقل قضية الصحراء من جدول أعمال جامعة الدول العربية إلى جدول منظمة الوحدة الإفريقية، التي اتخذت على عاتقها معالجة هذه المشكلة، ودعم دول المغرب العربي في مواجهة إسبانيا -31-، ليصبح بعد ذلك دور المنظمة محوريا في البحث عن حل لتسوية النزاع لاسيما بعد حدثين رئيسيين وهما توقيع اتفاقية مدريد و الإعلان عن نهاية الإدارة المؤقتة للإقليم من طرف إسبانيا من خلال الانسحاب النهائي -32-.

وفق هذا المسار، عملت منظمة الوحدة الإفريقية على الإلحاح والمطالبة بالتحرير الفوري للأراضي الصحراوية المغربية الواقعة تحت الاحتلال الإسباني، وقد تجسدت هذه المطالبة في العديد من المؤتمرات والقرارات التي أصدرتها، إلا أن التغيير الفعلي الذي حصل بعد هذا التاريخ هو انتقال عمل المنظمة من المطالبة بتصفية فورية للاستعمار الإسباني -33-، إلى محاولة البحث عن حل للخلاف بين أعضاء هذه المنظمة، وفي هذا الصدد بدأ يأخذ الملف طابع تنازعي بعد تضارب المواقف وكثرة الخلافات بين المغرب والجزائر وقد كان أول نص تتخذه منظمة الوحدة الإفريقية في نزاع الصحراء هو التوافق الذي صادق عليه مجلس وزراء المنظمة في الدورة السادسة والعشرين في (أديس أبابا) فبراير 1976 -34-.

انطلقت، بعد ذلك، سلسلة من المؤتمرات لمحاولة فض النزاع بشكل سلمي، حيث اتخذ مؤتمر رؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الإفريقية في دورته الثالثة عشر العادية يوليوز 1976 قرارا ورد فيه إشارة عامة إلى ميثاق الأمم المتحدة وجاء فيه أيضا أن المؤتمر يدعو جميع الأطراف المهتمة والمعنية بما فيها سكان الصحراء الغربية التعاون من أجل حل سلمي للنزاع لمصلحة السلم والعدالة وحسن الجوار في المنطقة، وهذا في إطار احترام ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية وميثاق الأمم المتحدة -35-، كما انتهى مؤتمر قمة (ليبروفيل) يوليوز1977 إلى إصدار توصية في محضر توفيقي جماعي يؤكد نفس المعطيات -36-، وبغض النظر عن إلزامية قرارات المنظمة والعوامل المؤثرة في سير عملها، فإنها استمرت بشكل ديناميكي في التفاعل مع ملف الصحراء، إذ انعقد بالخرطوم من 18 إلى 22 يوليوز 1978 مؤتمر رؤساء الدول والحكومات، تمخض عنه إحداث لجنة خاصة تتألف على الأقل من خمس رؤساء الدول والحكومات، تشتغل في إطار المنظمة بهدف جمع المعطيات المتعلقة بالنزاع، وترفع بعد ذلك تقريرها للأمين العام للمنظمة بغية تسويته -37-.

بناءً على القرار المتعلق بإحداث اللجنة لم يكن أمام الجزائر وبعض الدول إلا محاولة توجيه عمل اللجنة لصالحهما، الأمر الذي تأكد بعد الاعتراف والإقرار بأن الجبهة تعد الممثل الوحيد للشعب الصحراوي.

يتبع…

المراجع:

25 – علال الأزهر: الوحدة و التجزئة في المغرب العربي، ص127- 128، نقلا عن عبد الله ايت شعيب: مغربية الصحراء… دلائل وحقائق، مطبعة لينا الطبعة الأولى ص 108.
26 – علي الشامي: الصحراء الغربية عقدة التجزئة في المغرب العربي، مرجع سابق ص 143.
27 – علي الشامي: مرجع نفسه ص 144.
28 – إبراهيم الزيتوني: قضية الصحراء.. كرونولوجيا الأحداث ومحاولات حل النزاع ، مجلة مسالك عدد مزدوج 53/54 ص32.
29 – علي الشامي: مرجع سابق، ص 205.
30 – فخر الدين القاسمي: قضية الصحراء في العلاقات المغربية الافريقية بين سنتي(1972- 1984م )، الحوار المتمدن-العدد: 5598 – 2017 / 8 / 1 منشور على الموقع الإلكتروني، http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=567259&r=0.
31 – علي الشامي: الصحراء الغربية عقدة التجزئة في المغرب العربي، مرجع سابق ص 350.
32 – MOHAMED LAMOURI « l’affaire du sahara de l’: organitio de l’unité africaine à l’organisation des nations unies. Publications centre d’études internationales éditions Karthla 2011, p. 67.
33 – علي الشامي: الصحراء الغربية عقدة التجزئة في المغرب العربي، مرجع سابق ص 350.
34 – عبد السلام سفيري: الملف الدبلوماسي لنزاع الصحراء في غطار منظمة الوحدة الإفريقية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، جامعة محمد الخامس كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية يونيو 1981، ص 145.
35 – عبد السلام سفيري: مرجع نفسه ص 146.
36 – فخر الدين القاسمي: قضية الصحراء في العلاقات المغربية الافريقية بين سنتي(1972- 1984م )، مرجع سابق.
37 – MOHAMED LAMOURI: ” l’affaire du sahara de l’organitio de l’unité africaine à l’organoisation des nation unies” Op cit. P 69.
الوسوم

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله