fbpx

“قضية الصحراء” قراءة في الجذور التاريخية للنزاع ومسار التسوية – الجزء الأول

بحث تاريخي سياسي مفصل عن قضية الصحراء المغربية

في التاريخ الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، ارتبطت استراتيجية الدول الغربية بالاستعمار، الشيء الذي مَكّنَها من الاستحواذ والسيطرة على جزء مهم من أراضي دول العالم الثالث تحت ذريعة الحماية، بغية استغلال جلّ الثروات والامتيازات التي تظفر بها، لم تسلم دول المغرب العربي من ذلك، فقد كان للاستعمار الفرنسي والإسباني دورٌ مركزيٌ في محور المغرب، تونس والجزائر، غيْرَ أن نهاية هذا الاستعمار لم تتم بصفة سَلِسَة مرنة، بل اتّسَمت بالعديد من الإشكالات والخلافات كان أبرزها الخلاف الحدودي.


إن تتبُّع الجذور التاريخية لمشكل الصحراء -1- لا يمكن أن يتم خارج السياق التاريخي، إذ أن سنة 1884 تُشكّل بداية احتلال المنطقة من طرف القوات الإسبانية وذلك بدخولها إلى ساحل وادي الذهب -2-، ويميّز بعض المؤرخين احتلال إسبانيا للإقليم من خلال ثلاث مراحل:
الأولى: تحصُر الاحتلال في منطقة واد الذهب في فترة ما بين 1884 و 1900، والثانية: تتميز برسم الحدود مع فرنسا بواسطة اتفاقيات أهمها اتفاقية باريس، وتمتد من 1900 إلى 1912، أما المرحلة الثالثة: فإنها المرحلة التي بسطت فيها إسبانيا نفوذها على كامل الإقليم الصحراوي، وامتدت من 1912 إلى 1956.
يظلّ أهم ما يميز هذه المرحلة هو التوسع الفرنسي على حساب جنوب المغرب وجنوب الجزائر وموريتانيا ومناطق أخرى، ففي هذه الأثناء استغلت إسبانيا الفرصة ومعاهدتها مع فرنسا ومعارك الصحراويين مع المحتل الفرنسي التي امتدت ما بين 1923 و 1934، ووصلت إسبانيا في هذه الأثناء إلى مدينة السمارة في 17 أبريل سنة 1934 ثم مدينة إيفني، لتبسط نفوذها على كامل التراب الصحراوي عام 1956 -3-.
لقد بذل الإسبان بعد احتلالهم المنطقة كل الجهود لفك مظاهر الارتباط بين المغرب وأقاليمه الجنوبية، بيد أن ذلك لم يتم بالطريقة التي أريدت له، حيث شكل آنذاك جيش التحرير المغربي سدّاً منيعاً أمام خطط الحماية الإسبانية، فأول ما قام به جيش التحرير لمواجهة تحالف الجيشَيْن الاستعماريَيْن الإسباني والفرنسي؛ هو القيام بتعزيزات عسكرية لمواقعه ومقاطعاته على الحدود الفاصلة بين الجنوب المحتل والشمال المستقل، وقد كان لأبناء الصحراء دور مهم حيث كانوا أول من يلتحق بمراكز التدريب -4-.
وقد ظل جيش التحرير بالأقاليم الجنوبية خاضعا على مستوى التنظيم إلى قيادته الوطنية، ليحقق ويساهم في تحقيق مجموعة من الانتصارات ضد الجيش الإسباني كان آخر هجوم له سنة 1958 في معركة “إيكوفين”-5-.
لقد شكل استقلال المغرب سنة 1956 لحظة تاريخية ساهمت في المطالبة بتحرير كامل التراب الوطني، حيث ظلت الأقاليم الجنوبية خاضعة للاستعمار الإسباني إلى حدود سنة 1975، الأمر الذي أدى إلى تضارب وجهات النظر بين جيش التحرير بالأقاليم الجنوبية الذي كان يدعم خيار رفع السلاح وشن حرب ضروس على المستعمر حتى تحقيق الوحدة الترابية والاستقلال المطلق للمغرب -6-، وبين باقي القوى الوطنية الأخرى وعلى رأسها الملك محمد الخامس، كونه كان يسعى إلى إيقاف الحرب والبحث عن تحرير الأقاليم الجنوبية بواسطة الدبلوماسية -7- ؛ الأمر الذي أدى إلى بداية الخلافات السياسية بينه من جهة، وقيادة جيش التحرير وسكان الصحراء من جهة أخرى -8-.
وِجْهاتُ النظر هذه ستُتَوَّج بالسعي إلى احتكار القصر الملكي للملف واحتوائه وذلك لكي تصبح الشرعية الملكية هي وحدها صاحبة القرار السياسي -9- وسط هذا السياق عمل جيش التحرير على إتمام عملياته المسلحة، وصار يعرف منذ ذلك الوقت باسم جيش تحرير الجنوب -10-، أمام هذا الانتشار الواسع لجيش التحرير في طول الصحراء وعرضها والانتصارات التي تحققت ميدانيا ضد القوات الفرنسية بدأت تثير مخاوف القيادة الإسبانية معتبرة ذلك خطوة أولى لتحويل القتال إلى الداخل -11-، استتبع هذه العملية تحويل جيش التحرير إلى قوة سياسية مُفاوِضة؛ سوف تُستعمل كورقة ضغط باتجاه مساومة مربِحة للاحتلال الإسباني -12-، غير أن محاولة إيقاف جيش التحرير للقتال قد لاحت في الأفق خاصة بعدما انعقد مؤتمر “بوخشيبة” -13-.
أسفر هذا الأخير عن مُقرَّرات ميزان القوى بين شرعية مؤيدة للملك وإصرار على رفض الأمر الواقع ومتابعة الحرب ضد الوجود الفرنسي الإسباني، إلّا أن التطور الذي عرفه تأييد الخطاب الملكي الذي ألقاه الملك في قرية المحاميد بتاريخ 26 فبراير 1958، الذي وعد فيه بمواصلة كفاحه المعهود لاسترجاع امتدادات المغرب الطبيعية والتاريخية والبشرية، قد أدى إلى نهاية الدور السياسي لجيش التحرير في قيادة سكان الصحراء.14
إلى هذه الفترة، تحديداً، يرجع تعيين الإطار الجغرافي للصحراء الغربية المتنازع عليها حاليا، وعام 1958 هو بنتائجه وتطوراته السياسية أساسُ الحدود القائمة والتي لم تكن محدَّدَة ولا للَحْظة من اللحظات في كل التاريخ القديم، على الأقل من المنطقة الممتدة جنوبي أكادير وصولا إلى أكبر المدن الموريتانية وتندوف..

يتبع…

المراجع:

1- نقصد هنا بمشكل الصحراء النزاع القائم بين المغرب و”البوليساريو” والجزائر حول منطقة الصحراء الغربية، لذا فإننا ننطلق في هذه المقالة من مُسَلَّمة تقوم على أساس مغربية الصحراء؛ نظرا للعديد من الحجج القانونية السياسية والتاريخية الاجتماعية ؛ فبالنسبة للأدلة التاريخية والاجتماعية فإن الصحراء المغربية اندمجت بنيتها القبلية المتفرعة عن قبائل صنهاجة والقبائل المعقلية العربية مع المكون الإفريقي جنوب الصحراء في تشكيل النسيج الإثني والثقافي والاجتماعي للمغرب ككل وهو ما تشهد به مختلف المراجع التي حررها مؤرخو المنطقة من العصر الوسيط إلى ما قبل الحماية، كالبكري، وابن عذاري، وابن خلدون والناصري والشيخ محمد المامي والشيخ ماء العينين، والتي تحفل بأدلة الروابط المتجذرة للصحراء في المغرب، حيث أنها شكلت الامتداد الجغرافي الطبيعي لشمال المغرب، فضلا عن التداخل القوي في البنية القبلية والإطار اللغوي المشترك، إضافة إلى وجود أزيد من 50 رسالة ووثيقة، مؤرخة من سنة 1692 إلى 1910 تثبت استمرارية بيعة القبائل الصحراوية للملوك العلويين…، وعليه فطيلة مراحل البحث لن نتقيد بعبارة موحدة، حيث سيعثر القارئ أحيانا على عبارة الصحراء المغربية وأحيانا أخرى على عبارة “الصحراء الغربية” ثم في بعض الحالات مشكل الصحراء أو نزاع الصحراء، وذلك حسب الاقتباسات من المراجع من باب الأمانة العلمية. أما فيما يخص الأدلة القانونية والسياسية والتاريخية والاجتماعية وللتعمق أكثر، يُراجَع في هذا الصدد مقال لمصطفى الخلفي “مغربية الصحراء… حقائق وأوهام حول النزاع”، منشور في مؤلف عبد الصمد بلكبير “مغربية الصحراء مقالات، مرافعات ووثائق” مطبعة النجاح الجديدة 2018.
2- عبد النبي مصطفى: استفتاء تقرير المصير في الصحراء الغربية؛ ﺃﻁﺭﻭﺤﺔ ﻤﻘﺩَّﻤﺔ لنيل ﺸﻬﺎﺩﺓ الدكتوراه في القانون العام، ﺠﺎﻤﻌﺔ الجزائر 1 ﻜﻠﻴﺔ الحقوق، السنة الجامعية 2013/2014، ص25.
3- عبد النبي مصطفى: استفتاء تقرير المصير في الصحراء الغربية؛ مرجع سابق، ص25.
4- محمد بنسعيد آيت يدر: “هكذا تكلم محمد بنسعيد…”، الجزء الأول، منشورات مركز محمد بن سعيد آيت يدر للأبحاث والدراسات، الطبعة الأولى 2018 ، ص
5- محمد بنسعيد آيت يدر: مرجع نفسه ص 129.
6- علي الشامي: الصحراء الغربية عقدة التجزئة في المغرب العربي، الطبعة الأولى بيروت لبنان 1980 ، ص 120.
7- علي الشامي: مرجع نفسه ص 120.
8- علي الشامي: مرجع نفسه ص 120.
9- علي الشامي: مرجع سابق ص 120.
10- علي الشامي: مرجع نفسه ص 120.
11- علي الشامي: مرجع نفسه ص 124.
12- علي الشامي: مرجع نفسه ص 126.
13– علي الشامي: مرجع نفسه ص 127.
14- علي الشامي: مرجع نفسه ص 128.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله