fbpx

قوارب الأحلام الغارقة

تتلاعب بقاربنا أمواج البحر يمينا وشمالا، كما كنا نتلاعب بالكرة ونحن أطفال صغار وسط الدروب والأزقة. أوروبا أرض الأحلام، وفي سبيل الوصول إليها مات الكثير من الشباب فضجت بيوت ذويهم الطينية والقصديرة بالبكاء والنحيب. لا أرى إلا الماء، ولا أرى من حولي إلا وجوها بيضاء وأخرى سوداء تغيرت ألوانها بفعل الخوف. أصحو من النوم على صوت والدتي: حميد…. حميييد ستتأخر في البحث عن العمل، وأي عمل سأبحث عنه وكل الأبواب التي طرقتها خرجت منها خاوي الوفاض. أنا العاطل منذ زمان وزمان، منذ أن حصلت على الشهادة التي فتحت أمامي فقط أبواب البطالة، فدخلتها من بابها الواسع أقضي الساعات الطوال في المقهى، وأمامي سجائر اشتريتها بالتقسيط أدخنها على فترات متباعدة حتى لا تنقضي، فيزداد همي، فدخان السجائر أسوارٌ تصد عني بعض الأحزان. حميد انهض يا بني ستتأخر. نهضت وجلست بجانبها تناولت كأس شاي بارد وكسرة خبز جافة. كانت أمي في كل صباح, وأنا أجلس بجانبها على مائدة الفطور تحدثني عن أقراني قائلة: هذا عزيز بعث مبلغا ماليا لأسرته من إيطاليا لتستعين به على مصاريف شهر رمضان، وهذا سعيد بعث من إسبانيا آلة غسيل ليريح والدته من تعب الفراكة والقعدة، و هذا صالح لم يبخل على والده فأرسل له حوالة مالية من فرنسا ليغير أسنانه الطبيعية التي خربت وتسوست بالكيف والسجائر بأسنان اصطناعية. تواصل والدتي سرد نشرتها الصباحية عن أبناء حينا الذين حالفهم الحظ فهاجروا إلى الخارج. فجأة تصمت عندما تشعر بأن كلامها سد شهية الأكل لدي؛ تصمت لحظة ثم تواصل وهي تصب الشاي: كنت دائما أتمنى أن تهاجر بدورك الى الخارج، وتعود بسيارة بدون سقف وبجانبك نصرانية زعرة، وأنا أجلس وراءكما في الكراسي الخلفية، و عندما أعود في المساء أقول لجاراتي في الحي أن ابني حميد أخذني إلى حامة مولاي يعقوب، و هناك دفيت جسدي بمائه الكبريتي. تركت والدتي على مائدة الفطور تحلم وتتمنى، وخرجت نحو وجهة بلا هدف. البحر يزيد اضطرابه وهيجانه شيئا فشيئا، والأمواج تزداد ارتفاعا وعلوا شيئا فشيئا، وقلوب المهاجرين تدق بوتيرة سريعة من شدة الخوف والهلع، و قلبي حافظ على إيقاع دقاته العادية، وأذكر أن المرة الوحيدة التي تغير فيها إيقاع دقات قلبي كان عندما التقيت بلطيفة بمقهى الجامعة، آنذاك كاد قلبي أن ينخلع من سرعة خفقانه. لطيفة التي قضيت معها أحلى أيامي، كنت أقول لها عندما نحصل على الشهادة ونلج عالم الشغل سنتزوج فورا، وكانت هي ترد بأنه يكفي أن يحصل واحد منا على شغل ثم نتزوج حتى لا نضيع الوقت. كان مستقبل حياتنا القادمة قد رسمناه بين أسوار الجامعة وأعدنا ترتيبه مرة بأحلامها ومرة بأحلامي، فأنا كنت أحلم بعدد كبير من الأطفال وهي كانت تحلم بابن وبنت فقط؛ هي كانت تحلم بمنزل شاسع، وأنا كنت أحلم بمنزل صغير يضمني ويضمها قائلا لها المكان يتسع بوجودك ويضيق بغيابك. 
عندما نلنا الشهادة استطاعت لطيفة أن تحجز وظيفة بسلم 10 بتدخل والدها الذي كان مسؤولا حزبيا بالمدينة، بينما اكتفيت أنا بحجز مقعد بالمقهى أتسلق فيه كل يوم سلم اليأس والتشاؤم. لم تعد تتصل بي، وكان آخر اتصال بها سمعتها تقول: لقد تزوجت، فقلت لها: وأحلامنا، فقالت الأحلام تتغير بتغير المكان والزمان. أقفلت الخط في وجهها حين شعرت أنني تعرضت لطعنة غادرة من وراء ظهري. تصدعت مبادئي وتغيرت قناعاتي. بدأ القارب يضطرب، وعم الماء أرجاءه، فكان صياح المهاجرين يرتفع بكلمات تارة بلغة إفريقية، وأخرى بلغتنا الدارجة؛ أحس الجميع بأن القارب على وشك أن ينقلب و يتهاوى في أعماق البحر، وأنا تهاويت منذ أن تخلت عني لطيفة. لم يبق لي أمل في الحياة، فلم أجد شيئا يجعلني أنساها سوى التمادي في معاقرة الخمر بالبارات على أغنية ابراهيم العلمي: يالنسي يا نسي العهد نسيتيني حرام عليك، أو بغرفة صغيرة بأحد السطوح مع أصدقاءٍ كان حظهم من الدنيا كحظي: بطالة وخيانة وفقر… كنا بتلك الغرفة نحتسي قوارير الخمر من نوع عيشة الطويلة والفراكة ودم الكلب… أسماء سماها الكرابة كعلامة تجارية للمقبلين على اقتنائها من الأحياء الشعبية. كان بعض الأصدقاء لا يستقيم له الشرب إلا اذا استمع إلى مهمومة بصوت العربي باطمة، وهو يشذو : مهمومة يا خي مهمومة، مهمومة هاد الدنيا مهمومة فيها لنفوس ولات مضيومة… وضاعت أيامي بين أعمال بسيطة كنت أقوم بها بين الفينة والأخرى، وبين قضاء الليل متشردا بين البارات وغرف صغيرة فوق السطوح، حتى جاء ذلك اليوم الذي شعرت فيه أنني فقدت شهية الإقبال على الحياة، فقررت أن أخوض تجربة فيها الكثير من المغامرة والمجازفة.
حميد راه الفطور غادي يبرد… جلست كالعادة قبالة والدتي تتوسطنا تلك الطاولة الخشبية الصغيرة، والتي كانت فوقها صينية مضغوطة الجوانب، وبراد قديم تنتشر فيه بقع من الصدأ كانت تقول عنه والدتي بأنها ورثته عن والدها، فكنت أقول في نفسي: الناس ترث العقارات وأنت ورثت برادا.. الفقر يُتوارث والغنى يُتوارث. تركتها تتحدث كعادتها عن أخبار الجيران، وعندما انتهت بلعت ريقي وقلت بصوت خافت ومرتجف: سأسافر. قالت: إلى أين؟ قلت: إلى الخارج. قالت: وكيف؟! سكتُّ هنيهة لأستعيد أنفاسي ثم قلت :عن طريق عقدة مع إحدى الشركات الفلاحية الإسبانية التي ترغب في جلب اليد العاملة المغربية للعمل في حقولها الزراعية؛ قالت ومن أين حصلت على هذه العقدة؟ قلت: عن طريق صديقي علال الذي قام بتغطية مصاريفها هناك في إسبانيا على أن أقوم برد ما صرفه بعد عملي مع الشركة. صمتَتْ ثم نظرَتْ إلي بنظرات فيها شيء من الحزن والشك، وقالت بصوت حزين ومتهدج: أخاف أن تأخذ قرارا قد يحرمني منك ويحرمك مني!! 
عندما بدأ القارب يغرق كانت أصوات المهاجرين تتعالى بالصياح النجدة… الله… الله … عتقونا … الوالدين… لكن كان كل صوت يقع في الماء يخمد ويصمت إلى الأبد. وصل دوري وتخطى الماء حدود رقبتي، تيقنت من حتفي، فشعرت أن روحي بدأت شيئا فشيئا تضيع مني. كانت جثث المهاجرين قد ألقى بها البحر بإحدى شواطئ الجنوب الإسباني، وجاءت إلى عين المكان الصحافة الإسبانية المرئية والمكتوبة والمسموعة ونشرت صورنا بتعليقات مختلفة، لكنها كانت كلها تتفق على أن الظلم في أوطاننا هو الذي دفعنا لنمتطي قوارب الموت.

 

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله