fbpx
تدوينة متصدرة

لأنكَ الحبّ ..

لقصصِ الحب العظيمة التي لم تكتمل لأسباب عديدة لكن الجُرْحَ واحد، للقلوب البيضاء ذات المساحات الواسعة، للأنامل الرقيقة التي نسيت كيف يَرْبت الأحباء، لا تلمسوا خواطري هذه بنفور وملح ،غنوها ببطء واستشعروها حلاوة بعد زمن الخذلان، ارقصوا عليها وانفضوا غبار كل المشاعر التي لم تَلِقْ بعنفوانكم، خذوها تِرياقا، باقة، مزهرية، كل شيء يحيي مكامن الحب بسويداء أرواحكم، إلا حروفا سوداء تقلب مواجعكم؛ أمام محكمة الحياة ربما يرى قضاتها أنه من السذاجة أن تكتب أنثى لم تجتَز العشرين بعد عن الحب.
هم أنفسهم ارتطموا داخله ببذخ، تقفز جراحهم الغائرة وقهقهات الحب البريئة أمامهم كلما قابلوا قلبين يخطوان لتوثيق الحب أو بتره بنفس شعلة البداية وأكثر.
منذ اللقاء الأول؛ أدركتُ أن الأمر لن يكون عاديا أو على الأقل لن تمر أسماؤنا دون ضرر ولا حتى جُرحٍ نعلقه وساما على صدورنا نطرقه مرتين كلما اشتد بنا الشوق والحنين.
أدركت جدّاً أن الأمور التي مارست عليها فن الهرب مع سبق إصرار وترصد سقطتُ داخلها  بكل ما أوتيتُ من ارتباك وثبات.
لم تخلُ أطلال التاريخ من قصص الحب ولو سألت شخصا عن أحد ضحاياه لأخبرك القصة كلها وخضَّب كفيه ومضى، ولو سألته أيشتهي قصة حب عظيمة كهذه لأراد بشدة مع كل الخسارات التي بدأت تتسابق نحوه منذ تلك اللحظة. 
بدأ كل شيء حين انساب مني الحديث سلسا جميلا دون تعديل  ولا تأثيرات، لم ألتفت لغطاء رأسي المبعثر أو لعقارب الساعة التي بدت أنيقة جدا أناقة عروس يلتصق اسمها بحبيب يعول عليه حينها، بقدر ما تأملت مقلتين هادئتين كنت أضعت العمر كله لو  لم أتوقف عندهما لساعة، أقصد لِعُمرٍ ربما .
كان الصديقَ الوحيدَ الذي شعرت نحوه بالودّ والشفافية، كان وحده الذي أوزع أمامه أوراق قلبي بفرح وأرتّب تفاهاتي وأقدمها له على صحن من بكاء، أكتب أحزاني ويُغنّيها لي مع شيء لكاظم، أشكو قساوة العالم ويضمد بُثور قلبي بحُنُوّ.
كان وحدَه مَن يليق به نعتُ الحبيب، رحل وبقي بداخلي حفرة عميقة لا يملؤها إلا هو، أصبح الجهاد بعده صعبا، كان آخر شعاع يربطني بالضفة هناك حيث الحب الأبدي.
لم يحدد قانون الحب نعتا خاصا لحامله،ادعوه ماشئتم رفيقا، صديقا، حبيبا، مهجة، يكفي أن تشعروا بالأمان وهذا هو الأساس.
كان الحب دائما موضوعا شائكا كمتمردٍ على دستور المجتمع الذي تطرق لكل زوايا الحياة إلا زاوية الحب معلنا خسارته أمامه رغم كل المحاولات لطمسه.
من الصعب أن تشرح للبعض أن كلمة أحبك مشروعة وذات خِدر مغري، أن تفهمه إذ ليس من الكفر أن تجهر به أمام الأشجار والأزهار والفراشات. 
قررت أن لا أرتشف بعدك قهوة حلوة ما فائدة حبة سكر شاحبة إن كان ينمو بقلبي قصب السكر عينه، حينها فقط استشعرته سكرا فريدا يُبْقينا على العهد الدهر كله، أغفل جليستي وألقي بها لأول صف نمل تلتقطه عيناي، يالفرحتي إن كان قريبا من قريته، أشعر أنني اقتصرت عليه سويعات تجنيد وأسابيع سفر.
قرأت مرة كتعريف للحب أن ينظر إليك وكأنك معجزة، أضفت عليها، أن أكون متأكدة أنك شخص يفيضُ عيوباً، تُغطّيه الأخطاء ومع ذلك أتأملك بنفس الدهشة والشغف.
أن نجتمع، أن ننسجمَ بطريقة مذهلة، أن نصنع منّا قالباً صلبا يجابه غدر الزمن، وهذا هو الحب في نظري. 
فكرة أن تنتظر رسالة من حبيبك أعواماً لتصلك من زاجلٍ فتيٍّ أو جارٍ سيُمزقها فيما بعد عند منتصف الطريق، مغرية جدا تشعرك بحجم الشوق الذي يجالس الأحباب وحجم الخيبة التي ستأكل قلبهم شيئا فشيئا كلما خسروا أمام سوء فهم تافه أو كلمة خرجت من فاهٍ نتن.
بعد رحيلكَ، عشتُ على الكتب التي أهديتني، على المقطوعات التي لطالما سمِعْناها معاً مستندِينَ على جدار الصدق ، على رسائلك، على شوك الصبار، على بقايا أصابعك بين يدي، على عمود الإنارة حيث انتهى كل شيء.. حيث سيبدأ كل شيء. ترنّحَ درويش ونزار والحلاج والرافعي والشافعي الذي أحب بين ترانيم الحب. وغنّتْ جوليا ووردة وكاظم وفيروز بنفس اللهفة وكأنها المرة الأولى. وكتب تشيخوف ودوستويفسكي وباموق وإليف شافاق  في كل مرة شعروا أن لون حبرهم قد بَهَت؛ مؤكدين أننا جميعا ندور حول فلك الحب، أنه من فرائض الحياة أن ترتشفه ضريبة، أن تؤديها بسخاء مع قنينة ماء ورد طري أو مجبرا، أنت و درجة فهمك.
ليس الحبيب بكثرة اللقاء، بالقلوب الجافة، بالعناقات الباردة، بالمحادثات الطويلة العريضة.
الحبيب دعاء، الحبيب من يهديك عنوان كتاب ينتشلك من ظلمات الجهل، الحبيب صدقة، الآن وبعد موتك، الحبيب كل الأمور التي تسكن القلب لتنطبع على الوجنتين حقولا وردية تضخ حياة وفرَحا. الحب فرع من فروع  الحياة الطرية، الحب ما يختلجني الآن وأنا أكتبك.
كان حين يضحك تُنبِت أسنانه ياسميناً، تفوح من شعره رائحة الخزامى الطرية، تخرج من أذنه قصيدة عذبة أستشعرها لأعوام.
ما ظننته نزوة لسبع سنوات اكتشفت أخيرا أنه حب، كل التساؤلات التي أنستك طعم النوم الساذج كانت تصب في المعنى نفسه، الحب.
كل النظرات التي تساءلت عن اتجاهها كانت تنسكب داخلك وكل الإشارات التي شككت فيها كانت أرضية لحب بريء سيولد على ضفاف مقاعد هشة.
يليق بالحب البعد والمسافات الطويلة أما الالتصاق فَيُفقِده رونقه ودهشته الأولى، به جاذبية تفوق جاذبية المجرات، تجعل منك شخصا يضحك للطيور ويُراقص النمل ويبكي على أعتاب الأغاني والمقابر.
إن الحب يعرِف أوْجَهُ في البعد، ونحن نبقى جميلين في البعد، لا تهديني ورودا، لا تغازلني ببيت شعري للشافعي وأنت تعلم جدا كم أحبك وأحبه، لا تُثني عَلَيّ، لا تقُلْ لي يليق بكِ البنفسج، دعنا هكذا تائهين في فلك الحب، تقربنا رسالة وتفرقنا أخرى، دعنا هكذا قليلا على الأقل حتى نستعد لتتويج هذا الشعور المقدس حفلة نفرشها شموعا حمراء  وورودا، حينها أرحب بكل ورود الكون والثناء والغزل المشروع. 
سأخبرك عن مآل كل الكلمات التي كان من الجدير أن نبوح بها، ستقفز من أعيننا حرفا حرفا، أما القصص التي لم تكتمل هنا ستنبت على قبور أصحابها بامبو يستريح تحتها العشاق الجدد الذين لم يفهموا بنود الدهر بعد. 
 
لأخبرك شيئاً، كل ما كُتبَ أعلاه مشروعٌ وحقيقي ولا يمُتُّ للخيال والمسلسلات التركية بصلة كما تخبرك القريبة التي أفلتَتْ حبيبها عند أول طرقة بابٍ مع الكثير من الذهب الذي التصق بصاحبه. وينطبق الأمر على الذكور منكم.
لكن لا ضير أن نتعامل مع الحب بعقلانية، لا حاجة لك بشخص لا يقدر ولا يشد على أصابعك عند الشدائد والمحن، ليس بالحب ما يرجعك سنوات ضوئية للوراء، ولا يطلق على الحب من لا يشاركك أحلامك الكبيرة وطموحك المشروع. حاول خلق شيء من التوازن بين المنطق والعاطفة ولا تجعل في أحد منهما تهلُكَتك.
خُلُوُّك من الأهداف العظيمة والرؤى البعيدة لن تجعل منك شخصا رائعا في عين نفسك، في عين الحياة التي تعشق بتر الضعفاء.
وإن كنتَ تظن أن الحب هو الكثير من الهرَج والقفز وتقاسم الحلوى والاستعراض بالفساتين، وإن كل من سار على هذا المنوال عاش الحب، فتحتاج سنينا لتتخلص من اللون الوردي التافه الذي بدأ يخنقك.

الحب والاحترام لصيقان إن نقصت نسبة أحدهما فقدت العلاقات جاذبيتها .. وأصبحت خاوية تذروها الرياح. الحب خُلق ليجمع أشلاء روحك، ليروضها وكل تفسير غير هذا باطل. أما أنت، فكنت ككل الأمور التي تولد فجأة ولا تموت فجأة، أما أنا فبين أهداب عينك ضعت أنا، ضاعت هي.. هنيئاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله