fbpx

لا إدمـانَ بعدَ رمضـان !

قبل أيام قليلة، انتهى إلى عِلمي وببالغ الأسى خبرُ وفاة خالِ أحدِ أصدقائي، بعدما وصلت رئتاه لحالة مزرية -جراء إدمانه السجائر- اضطرّتْه لاعتماد التنفس الاصطناعي لبضع ليال في العناية المركزة إلى أن قُبضت روحه.. رحمه الله وجميعَ موتى المسلمين.
فارتأيْتُ أن أسلّطَ الضوء حول موضوع الإدمان.. وطالما أنكم على درايةٍ كافية بمخاطره الصحية، تعمدتُ أن أناقش الأمر من منظور شرعي محض، حتى تكتمل الصورة وتتبين الخطورة.
ففي خضم عصر مخدرات LSD والموسيقى المهلوسة وألعاب “PUBG” والأفلام الإباحية.. أضحى الإدمان من الآفات الاجتماعية التي تتصدر مشهد الحياة اليومية اليومي.
كثيرا ما يؤدي الفراغ الروحي، وعدم الالتزام الديني، زدْ عليهما الصحبة الفاسدة إلى السقوط في مَطبّ الانحراف. قال جَل في عُلاه: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] ؛ والشيطان في هذه الآية يشمل أيضاً شياطين الإنس.
فيَصِيرُ المآل من هذا الوبال هوَ ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق مدمن الخمر كمثال: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمرَ حين يشربُها وهو مؤمن” ~ رواه البخاريُّ ومسلم. ستلاحِظون أن الأدلة الشرعية الآتية تركز على إدمان الخمر، وذلك لأنه الإدمان الذي ساد خلال حقبة البعثة النبوية؛ وقياساً عليه فإن هذه الأحاديث الشريفة تستهدف بالخمر كل مظاهر الإدمان المعاصرة.
قال تعالى موضحاً: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ [الأعراف: 157]، فكل طيّبٍ مباح، وكل خبيث محرَّم، والحرام يبقى حراما حتى ولو كان الجميع يفعله. وقال سبحانه محذراً: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90]
 
لسْتُ هنا بصدد البحث والنبش في تحريم الخمر مِن عدمه، ربُّنا الحكيم قال اجتنبوه فـلـنجتنِبْه -لمصلحتنا- وانتهتِ الحكاية.
يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما: “كلُّ مُسكِر خمر، وكل مسكِر حرام، ومن مات وهو يشرب الخمر يُدمنها لم يشربها في الآخرة”. فكيف يُعقل أن يستبدل المسلم نعيم الآخرة بـأفيُون الدنيا؟
ناهيك عن كون الإدمان من مظاهر قتل النفس بسبق الإصرار والترصد. فكل ما يدمن عليه لا بد وأنه مضر لعضو من أعضاء الجسم، أو مخل لوظيفة من وظائفها. قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29]،
و زاد جل جلاله : ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وأحسنوا.. ﴾ [البقرة: 195]  فـرِفقاً بنفوسكم؛ إنها أمـانة!
أضِفْ عليها الخسارة المادية الموازية لتوفير مواد الإدمان، والذي في حد ذاته تبذير للمال وظلم للنفس وإغناء لتجار السموم، قال تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا ﴾ [النساء: 5] فكيف سوّلت لكم أنفسكم شراء ما يضرّكم بما رَزقكم؟
ومن باب الترهيب لمن لم ينجح معه أسلوب التبشير.. روى مسلم في صحيحه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن على الله عهدًا لِمَن يشرب المسكِر أن يسقيَه من طينة الخبال”، قيل: وما طينةُ الخبال يا رسول الله؟ قال: “عَرَق أهلُ النار”.
و رغم أن هدفي بعيد كل البعد عن تقنيطكم من رحمة الله، فإنه وجب الإعلام لعلّ وعسى نتعِظُ فنستفيق ونتوب.. أخرج أحمد والنسائي حديثا خطيرا عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاثةٌ قد حرَّم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاقُّ لوالديه، والدّيـوث؛ الذي يُقرُّ السوءَ في أهله”.
ولا تنس يا صديق السوء ويا بائع السجائر ويا ساقي الخمر.. وكل من له يد في تضليل عباد الله، ما رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أتاني جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، إن الله لعن الخمرَ، وعاصرها، ومعتصرَها، وشاربَها، وحاملَها، والمحمولةَ إليه، وبائعَها، ومبتاعها، وساقيَها، ومستقِيَها”.
مّما سبق يَتَّضِحُ أن المخدَّرات تمس بسلامة الكليَّات الخمس التي جاء الإسلام ليحفاظ عليها، ألا وهي: الدين، النفس، العقل، العِرض والمال.

شهرُ رمضان هو الفرصة المثلى للإقلاع عَمَّا ابْتلتْك به الأيام الخالية.. بشعار «لا إدمان بعد رمضان!»، مع التنويه بعدم القذف ولا الفضح ولا الاستهزاء من الناس بما هم فيه مِن بَلايا؛ بل يُستحسن النصح والإرشاد وترديد [ الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به قوما كثيراً ]. حين رأى الرسول أن الصحابة يلعنون رجلاً من القوم يشرب الخمر قال لهم عليه الصلاة والسلام “لا تَلعنوه، فواللَّه ما علمتُ إلا أنهُ يُحِبُّ اللَّه ورسوله”~ أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب.

ختامًا، عسى الله أن يتوب عليهم وعلينا، ويرُدّ بهم وبنا إلى صراط الله المستقيم، وما هذه الكلمات إلاّ من باب “ذكِّرْ فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين”.

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله