fbpx

لا شهوانية في السماء

يسعى الإنسان في هذه الحياة الدنيا إلى أن يرضي الله تعالى بفعل الخيرات، و تجنب المنكرات، من أجل نيل الجائزة الكبرى التي وعد المولى بها البشر، والتي هي الجنة، مأوى المتقين وهدف القانتين وعزاء أهل البلاء الصابرين.. يصيبني الذهول في كل مرة أصادف فيها منشورا أو تعليقا على صفحات الانترنت بخصوصها -الجنة- خاصة عندما يحصرها الكثيرون في ملئ البطون، وإطفاء الظمإ و نكاح نساء فاتنات.. 
و سأتحدث بالضبط عن هذه الأخيرة -الحور العين- فحسب المعتقد السائد والموروث الذي تربينا عليه، فإن الحور العين هن نساء أُعْددن لأصحاب الجنة من الرجال فقط، كمظهر من مظاهر التكريم لهم، و يقال أن جمالهن يفوق الوصف..
عندما نتحدث عن الجنة فغالبا ما نقرنها بمفاهيم سامية ونبيلة منها الحكم بالقسط والحق والعدالة الإلهية، إذن ألم تُضْرَب هذه الأخيرة عرض الحائط عندما نستثني النساء و هن أيضا من أهل الجنة؟
هنا يظهر تناقض شديد و مربك لدى النفوس المريضة بين صفات الله و غاياته -إلــٰه الحق- الذي لا إلــٰه سواه والذي يمثل الخير والعدل والرحمة، وبين إلــٰه ليس له وجود إلا في عقولهم المضطربة، إلــٰه يمثل ميولهم ورغباتهم وما يتلاءم مع بشريتهم.
من جهة أخرى، إن كانت الجنة الجائزة الكبرى عن كوننا إنسانيين وروحانيين، أيعقل أن تكون مجرد مكان لممارسة حيوانيتنا من شهوات، وأكل و شرب لا أكثر ! إن كان كذلك أليست الحيوانات أولى منا بالتكليف؟ ألم نَسلُب المكان قدسيته المطلقة بهذه النظرة المنحطة؟ 
بل و الأسوأ أن هذا التفكير الضيق ينبع من منابر بعض الشيوخ و المتدينين الذكوريين بطريقة شهوانية، وبعض الكتب الرخيصة التي تباع أمام المساجد ودور القرآن والتي تُشْحن بها عقول الشباب طمعا منهم في ممارسة العهر المقدس على أَسِرَّة من ٱستبرقٍ في جنانه.
فبدل أن نكون جيلا قادرا على التحليل والنقد، جيلا بمناعة ضد كل ما هو جاهز وتحريرِه من هوس الجنس واتباع الشهوات، لاستثمار نعمة العقل والتدبر والتفكر، نُهِينه بتضييق مساحة خياله لنكون مجتمعات جنسية بحثة، و عقولا واهنة ضعيفة قابلة للجر والانجراف حتى أمام التناقضات والتقاطعات اللامنطقية.
فالجنة مكان مقدس أسمى من كل التصورات الدونية التي نحملها عنها، وأعمق مما نعتقد، وكل الصيغ القرآنية التي جاءت عنها هي من باب التشبيه المجازي وليس التوصيف الحقيقي.. 
و الحور العين ليسوا نساءً ولا رجالا، ولا لهم من المؤنث إلا صيغة التأنيث كالملائكة، هم أنفُسٌ رحمانية لهم وظائف وجودية مجردة عن الأجناس التي نعرفها في الدنيا، خُلِقت للتلذذ الروحي وليس المادي -الجنسي- والزواج في الآخرة هو للأنفس وليس للأبدان.
 

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله