fbpx

لماذا تقدم الغرب وتأخرنا نحن؟ مقاربة تاريخية على ضوء المفاهيم

في محاولةٍ للإجابة عن سؤال "قديم جديد" لكنه مُلِحّ

ألاحظ دائماً من خلال مختلف النقاشات والأحاديث تجدُّدَ التساؤل التالي: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا؟ تساؤلٌ يطرح في طياته مقارنةً ومقاربةً بين حضاراتٍ توجهت إلى الأمام في مقابل حضارات لقيت ذاتها في الركود والغفوة. جميل أننا استوعبنا ما يحصل داخليا وخارجيا، وأدى بنا إلى إفراز تساؤل كبير وشامل، لكن القبيح أن نطرحه خارج إطاره، الذي يهدف إلى تفكيك هذا التفاوت والوصول إلى جوهره بغية اكتشاف ما أقدَمَ عليه الغرب في ركوبه سفينة التقدم والرقي.

إذا أردنا أن نفهم هذه المقاربة كباحثين، وجب علينا التوجه إلى الباحثين السابقين الذين حاولوا الإجابة عن هذا التساؤل العريض والطويل، إذْ نجدهم يسيقون سيرورة تاريخية أو بالأحرى المسار التاريخي الذي مر منه الإنسان الغربي وما نتج عنه من نتاجات وتراكمات صاغت الوضع الآني؛ في المقابل عند إقدامه إلى تحليل المسار التاريخي “العربي“ ومحاولة فهم الإنسان “العربي“، نصطدم بضبابية أو عدم تفسيرٍ تام لهذا المُكَوِّن، والذي أبقانا متخبطين في الإجابة عن هذا التساؤل وعدم استخلاص إجابة معينة.

نعود إلى التساؤل المطروح لنقف جيدا بغاية تفكيك المصطلحات التي يحملها، فمصطلح الغرب هو مفهوم جغرافي، داخل مجاله عدة تعددات سياسية واجتماعية وثقافية، ولفهمها اصطلاحيا لابد من العودة إلى مفترق الطرق الذي أعطى الانطلاقة القوية للغرب، هنا سنقف بشكل واضح في العصر الحديث الذي يعتبر عصرا أصبح فيه الإنسان الأوروبي الغربي مؤَهَّلا إلى الصعود نحو التقدمية بعدما شهد تَدَهْوُرا في العصور الوسطى. هنا أستحضرُ الدورة الحضارية -ازدهارٌ ثم تدهورٌ ثم إقلاعٌ- حسب تعريف ابن خلدون، حيث فهمت الدول الغربية أزمتها وحاولت تجاوزها، بداية بتبني مذهب ديني جديد “البروتستانتية“ التي دعت إلى التحرر من الكنيسة، واختارت عنوان دعوتها تحرر الفرد هو تحرر الجماعة، وأيضا تجاوز الوساطة الإسلامية الإيطالية، التي أعطت الاكتشافات الجغرافية، وبروز نظام الميركانتلية بأنواعها الثلاث.

في ظل هذه التحولات نهجت كل دولة على حِدَة مشروعَها الخاص من أجل النفاذ من الأزمة الحاصلة فيها، فنجد دُوَلا كإسبانيا والبرتغال تُقدمانِ استراتيجية خاصة بهما في البحث عن الموارد، في المقابل نجد كلا من إنجلترا وفرنسا وهولندا تتبنى الميركانتلية التجارية والبحرية، التي أسهمت بشكل مباشر في إقلاع وضعهم الاقتصادي والاجتماعي، لتتحول كل هذه المجهودات إلى قوة إمبريالية جعلت لهم في القرن التاسع عشر قابليةَ استعمار الدول التي تعيش الركود، أو بالأحرى الدول التي لم تعرف أنها تعيش الركود والغفوة، بالرغم من محاولة بعض الرحالة والسفراء تمرير رسائل إلى السلطات المركزية تشير فيها إلى الوضع الذي يعيشه الوطن “العربي“ كوضع متدهور مقارنة مع الوضع الغربي، لكي تواجه هذا المد الأوروبي.

أما النصف الثاني من التساؤل، و الذي يحمل فعل “تأخرنا”، فأول ما استوقفني فيه ضمير” نا“، والذي يحيل إلى الجماعة، وإحالته إلى سؤال من نحن، هل الشرق العربي؟ أم شمال افريقيا؟ باعتبارنا تعددات سياسية واجتماعية وثقافية، علاوة على تجمعنا اللغوي والديني، وأيضا الوقوف على السياق التاريخي الذي طُرح فيه هذا التساؤل الجامع لمجموعة بشرية ممتدة داخل كيان شاسع من الخليج إلى المحيط، فتحديد ذواتنا يُسَهِّل علينا استيعاب أزمتنا الخاصة، والارتكاز على أسس مستوعبة وواضحة المعالم، بهدف الدعم والاستثمار أو الحد والفصل والاستغناء، حتى تكون هناك إمكانية تشكيل قوة قومية لها ولاءٌ لمجالها ولهويتها ولتاريخيها الخاص قبل العام، وبهذا الأسلوب سنحاول الإجابة عن ذاك التساؤل المتوارث من دعاة الاتحادية والهوية العربية التي فشلت سياستها في فترة السبعينات، والتي مازالت أفكارُها معششة لغاية الفترة الحالية.

إن ركوب قاطرة التقدم، مفصلُهُ ذواتنا بمعزل عن ذوات الآخرين المبنية على التوجه السياسي الذي يسَوِّق ما هو اقتصادي ويؤثر على المظاهر الاجتماعية لتغيير ذهنية المجتمع.

أمين مومن

للتدوين معنا على زوايا .. راسلونا عبر الرابط
https://zawayablog.com/%d8%a3%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d9%85%d8%b9%d9%86%d8%a7/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله