fbpx

مقاربات في التدبير الترابي

تدبير الشأن الترابي ضمن المنظور الجديد للتنمية البشرية

برزت المقاربات الحديثة في تدبير الشأن الترابي نتيجة تطور هذا الأخير في الدول المتقدمة، ضمن المنظور الجديد للتنمية البشرية، الذي يجعل الإنسان محور العملية التنموية في كافة مراحلها، ونظرا لما تحمله تلك المقاربات من عناصر تصب في دمقرطة القرار الترابي، من خلال مشاركة الجميع في صياغته عبر المقاربة التشاركية، إضافة إلى مقاربة تواصلية تجمع بين التواصل الداخلي للجماعات الترابية، وتواصل خارجي تجاه محيطها المتواجدة فيه، وكذا خلق مناخ محلي للتنسيق بين جميع الفاعلين من خلال المقاربة المندمجة، بهدف تحقيق نوع من التكامل والإنسجام بين البرامج الترابية/المحلية المتنوعة، مما يشكل دعامة قوية لمُسمَّى الديمقراطية التشاركية الترابية التي تستوعب هذه المقاربات في فلسفتها التدبيرية الحديثة.

الفرع الأول: المقاربة التواصلية المنفتحة على محيطها
تعد المقاربة التواصلية في تدبير الشأن العام المحلي أداة أساسية للانفتاح على المجتمع المحلي، والتنظيم الداخلي للمجلس، وعليه فالتواصل هو اللبنة الأساسية لتحقيق وضمان تدبير تشاركي داخل أي منظمة كيفما كان نوعها وحجمها بحيث يسخره كل قائد أو رئيس أو مدير للمنظمة للوصول إلى الأهداف المسطرة ضمن برنامج عمل محدد ومضبوط.

تأسيسا على ذلك، يمكن تحديد الأهداف العامة لوظيفة التواصل الترابي فيما يلي:
-التوفيق بين مطالب المواطنين والأهداف العامة للإدارة الجماعية، حيث تسعى هذه الأخير عبر وظيفتها التواصلية إلى دراسة جمهورها المحلي (الساكنة على المستوى الترابي)، والتعرف على رغباته واحتياجاته لتسهيل عملية صناعة القرار الترابي، وبالتالي خلق نوع من التفاهم المتبادل بين المواطن والمجالس التداولية.
-المساهمة في تنشئة المواطن الواعي المشارك، لأن من أهداف البيداغوجيا للتواصل الترابي تأصيل ثقافة المشاركة الواعية لدى المواطن وتقدير مسؤوليته في تدبير الشأن الترابي.
-التواصل المحلي أداة للتغيير، بمساهمته في تغيير القيم والسلوكيات في المجتمع الترابي، ومعالجة بعض الممارسات المؤثرة على المسار التنموي الترابي.
-التواصل المحلي للإدارة الترابية كعامل وقائي، إذ لا يقتصر في دوره على خلق المواطن المشارك والمتجاوب مع المجالس الجماعية، وتوضيح إنجازات وسياسات هذه السلطة للمواطنين لخلق وتنمية التفاهم المتبادل بينهما، بل إن دوره يمتد ليجعله أداة قوية لوقاية الإدارة الجماعية من الوقوع في الأخطاء، أو اتخاذ القرارات التي قد تتعارض مع الإرادة الشعبية، أو إساءة المسؤولين والموظفين لسلطتهم.

وهنا تجدر الإشارة إلى نوعي التواصل لنميز بينهما:
-التواصل الداخلي والذي يستهدف بالأساس جميع الفئات العاملين داخل المؤسسة أو الإدارة، باعتباره أداة للتفاعل وتنسيق جهود العمل بين وحدات المنظمة أو المؤسسة أو الإدارة، بإتباع مجموعة من السبل التي تكفل إنتاج وتوصيل واستخدام البيانات اللازم توافرها للإدارة، لتصبح في موقف يُمَكِّنها من اتخاذ قرارات سليمة.
إن التواصل مع الغير لا يمكن أن يحصل إلا إذا أحسنا استعمال التواصل الداخلي، وحققنا توافقا وانسجاما كاملين، من خلال مجموعة من القنوات التواصلية الداخلية سواء كتابية أو شفوية، وقد تتخذ شكلا رسميا أو غير رسمي، ومن بين هذه القنوات التواصلية الداخلية نجد النشرات الداخلية التي تضمن تواصلا مستمرا وفعالا، خاصة إذا كان الساهرون على إصدارها يختارون مواضيع هامة تسهل تداول المعلومات، وتبادلها بكيفية صحيحة وصادقة بين مختلف العاملين، وتمكنهم ليس فقط من تتبع نشاط المؤسسة العادي، بل تتيح لهم فرصة الإطلاع على المستجدات والآفاق المستقبلية، والمشاركة في سياسة التدبير العامة داخل المؤسسة لتكسير الحواجز التي كثيرا ما يسببها التوتر في العمل الروتيني، لتكون هذه النشرات بمثابة ملتقى ومتنفس ثقافي ومهني لتفاعل المبادرات والأنشطة، والتعريف بالمجهودات التي تبذلها مختلف الأجهزة العاملة داخل المنظمة أو الإدارة، حيث تعتبر هذه الوسيلة أداة فعلية منبثقة من الواقع لمد الجسور بين مكونات المنظمة، ولتحقيق أقصى درجات التفاعل والتفاؤل، بل تخلق حافز للتواصل والتعارف والرفع من مستوى المردودية.
-التواصل مع المحيط الخارجي للجماعات الترابية من خلال مد كافة مكونات المجتمع المحلي بالمعلومات اللازمة عن ما تروم الجماعة القيام به قصد خلق رأي محلي متابع لقضايا الجماعة الترابية، ومشاركا فيها.
إن أساس التقدم المجتمعي مرتهن بتحسين صناعة القرار والقطيعة مع نماذج الحكامة البائدة والمعتمدة على بنيات مركزية محددة مسبقا تمارس أعمالها من الأعلى نحو الأسفل في مجالات متنوعة دون الاهتمام بأهمية التواصل العام بينهما وبين المواطنين وكذا إبداع آليات للتواصل مع الهيئات العاملة في المجتمع كالجمعيات التي تعد شريكا أساسيا للمجالس المنتخبة ترابيا لما تقوم به من أدوار تنموية بمختلف أبعادها في المجتمع.
يظهر التواصل الخارجي مع المواطن، على سبيل المثال، فيما يتعلق بالمسألة الجبائية، فيما يعرف بالتواصل الجبائي بين الملزم والإدارة الجبائية، بحيث أن معضلة الجباية الترابية، في جوهرها إشكالية ثقة بين الملزم الذي يسعى بكافة السبل للتملص من أداء واجباته اتجاه الإدارة الترابية من خلال مبررات واهية تتضمن مجموعة من الاتهامات تجاه الإدارة، ليكون بذلك التواصل عنصرا أساسيا للمجالس الترابية عبر توضيح كافة المشاريع والمخططات التنموية للمواطن قصد خلق الالتفاف حولها والمساهمة فيها، فضلا عن أهمية المقاربة المندمجة في خلق التكامل والتنسيق بين الفاعلين سواء الرسميين أو غير الرسميين قصد إنجاح المشاريع التنموية.

الفرع الثاني: المقاربة المندمجة في العملية التشاركية
الجماعات الترابية في العصر الراهن عاجزة بمفردها عن مواجهة تحديات التنمية على المستوى المجالي بفعل الإكراهات المالية مقابل تزايد احتياجات الساكنة وغيرها من العوامل، مما يستدعي التقارب بين مختلف الفاعلين في التنمية المجالية عن طريق تنسيق الجهود وتفعيل الآليات القانونية للمشاركة الجماعية، ما دام الفضاء الترابي مجالا للعديد من المتدخلين سواء الدولة من خلال سلطات اللاتركيز أو القطاع الخاص وغيرهما حيث تبرز أهمية اعتماد الجماعات الترابية على ما يسمى بالمقاربة المندمجة، كآلية تنسيقية تهدف إلى تجميع الجهود بين كافة الفاعلين المحليين وتكامل أدوارهم، تفاديا للنظرة العمودية للعمل التنموي القائم على السياسة القطاعية المنعزلة.
فالجماعات الترابية يمكن أن تكون مركز التقاء بين مجموع الفاعلين (الدولة ، القطاع الخاص، المنظمات غير الحكومية …)، وذلك عن طريق خلق انسجام بينهم تجنبا لتشتيت الجهود وهدر الطاقات في مشاريع نمطية ومتكررة، على اعتبار أن المستفيدين من البرامج المتعددة هم الساكنة في المجال الترابي، مما يعني أن خلق التكامل بين تلك المشاريع هي ضرورة “حكماتية” تتغيّى ترشيد التدخلات وجعلها في نسق واحد لتعطي نتائج مهمة وذات وقع على المواطنين، بدل البرامج القطاعية والمنفردة التي يكون لها وقع ضعيف بفعل المحدودية وعدم التكامل.

من هذا المنطلق، فإن المقاربة المندمجة هي الوسيلة المنهجية لخلق التنسيق بين الفاعلين في المجال الترابي، مادامت تمثل سياسات عمومية تندرج ضمن عملية متماسكة ومشروع شامل وتعبئة قوية متعددة الجبهات تتكامل فيها الأبعاد السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، التربوية، الثقافية والبيئية، وبالتالي فهي مقاربة ضد المقاربات القطاعية الانفرادية التي تعمل بمعزل عن باقي القطاعات الأخرى، مما يسمح بتجميع الوسائل والإمكانات المتاحة لدى مختلف الفاعلين وتوظيفها بشكل مجتمع لبلوغ هدف التنمية، عبر اقتسام مصاريف إنجاز المشاريع في حالة التمويل المشترك لإنجاز الاختصاصات المتداخلة.

تهدف المقاربة المندمجة في مجال التنمية المحلية إلى تنظيم الجهود بين الشركاء للمساهمة الفاعلة في تعزيز الإنتاجية، واستثمار القدرات والطاقات البشرية، وتعظيم الاستفادة من الإمكانيات المتاحة، والتوعية بالمشكلات الاجتماعية وانعكاساتها على المجتمع لضمان الأمن الاجتماعي ودعم العمل التطوعي، وتطوير برامجه، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية للنهوض بخدمات التأهيل والرعاية لمختلف شرائح المجتمع في كافة مناحي الحياة، الأمر الذي يفرض العمل بشكل منسق عبر إحلال آليات تجمع بين أكثر من متدخل وفاعل، أي التدبير التشاركي المندمج للعملية التنموية.

للمقاربة المندمجة عدة وظائف، أبرزها وظيفة التخطيط المندمج التي تؤدي هدفا استراتيجيا، يتجلى في تحديد المشروع المستقبلي بناء على الرؤيا المستقبلية الإستراتيجية المشتركة والشاملة، حيث يتم من خلالها التعامل مع العملية التنموية تعاملا استراتيجيا يرتكز على التخطيط العلمي الذي تندمج في صياغته جميع القطاعات المعنية، وأحيانا حتى غير المعنية بطريقة مباشرة، كما أنها تسعى إلى تجاوز المقاربة التجزيئية التي تعني التعامل مع فرع الظاهرة وليس مع أصلها، ومواجهة كل مشكل على حدة بطريقة متقطعة، وهي تحاول أيضا أن تتجاوز الأسلوب التكتيكي الذي يتعامل مع المرحلة في غياب الإستراتيجية المحددة كنسق للتدخل.

إن تحقيق التنمية الترابية في سياقها العام يتطلب تظافر الجهود في إطار سياسة مندمجة بين مختلف الفاعلين المحليين، من جماعات ترابية وقطاع خاص غيرهما، ذلك أن كسب الرهان التنموي الترابي وتحقيق الأهداف التنموية تضع هؤلاء الفاعلين أمام ضرورة إنتاج برامج متكاملة ومتناسقة؛ أما في السياق الضيق، فإذا كانت الجماعات الترابية قد أصبحت شريكا إلى جانب الدولة والقطاع الخاص والمنظمات المجالية والتطوعية والدولية، في صناعة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإن هذه الأخيرة تعتبر ركيزة وقطب التنمية الترابية، والفاعل الرئيسي في هذه العملية، وذلك بالنظر إلى الأهمية القانونية والإدارية والاقتصادية التي تستعملها كأدوات تتدخل بواسطتها في مجال التنمية الترابية، تستوجب عليها تبني المقاربة المندمجة في تدبير الشأن الترابي.

وتبرز أهمية المقاربة المندمجة بين السياسة المحلية للمجالس الجماعية، وسياسة الدولة من خلال التنسيق بين المصالح الخارجية والمجالس الجماعية وممثلي الدولة في الإقليم بغية تكثيف الجهود فيما يخدم التنمية، على اعتبار أن الهدف من وراء تطبيق سياسة عدم التمركز يتجلى في تمكين السلطات المحلية من صلاحيات واسعة، لمعالجة المشاكل التي تطرح عليها، دون أن يكون اللجوء إلى المركز ضروريا، ويقتضي هذا التوجه، تخلي السلطات المركزية عن بعض الصلاحيات، التي يمكن أن تمارس بطريقة عقلانية وفعالة من قبل الإدارة الترابية.

يتطلب منح المصالح اللاّممركزة كل الصلاحيات التي يمكن أن تفوض في تنفيذها للمستوى الترابي، باستثناء تلك التي بطبيعتها أو بحكم القانون لها طابع وطني مما سيكون له انعكاسات ايجابية على المنتخبين، إذ تتوفر أمامهم مصالح للدولة تكون مخاطبهم الفعلي، بدون الحاجة إلى الرجوع إلى العاصمة لتسوية الملفات الإدارية العامة، والاستثمارية منها على الخصوص، وذلك باتخاذ القرارات ترابيا، لاسيما تلك المتعلقة بالتنمية الاقتصادية وإعداد التراب بغية تلبية متطلبات التسيير العصري.

يكمن التحدي الذي تواجهه كل المجتمعات البشرية في خلق نسق مؤسساتي شامل يضمن التنمية المستديمة وتحقيق أهداف استراتيجية قوامها مواجهة الفقر والتهميش من خلال المقاربة المندمجة والتشاركية، التي تفتح الفضاء العمومي لجميع المهتمين والمعنيين بالتنمية للمساهمة الايجابية في مسارها، وهو ما يشكل مقومات الديمقراطية التشاركية الترابية.


الهوامش:
1 – بلقاسم بوطيب، التواصل المحلي –دراسة في العلاقة بين الإدارة الجماعية والمواطن- ، رسالة لنيل الماستر في القانون العام، جامعة الحسن الأول، السنة الجامعية 2007-2008، ص:9.
2 – أمحمد الإدريسي، الأركان الأساسية للتدبير، مطبعة فيدبرانت، أكتوبر 2004، ص:68.
3 – أمحمد الإدريسي، المرجع نفسه، ص: 70-71.
4 – عبد الرحمان العمراني، المنتخب -المحيط العام والإدارة المحلية-، مجلة القانون والإقتصاد، العدد 15، السنة 1998، ص41.
5- محمد لحموشي ، المفهوم الجديد للسلطة بالمغرب، من أجل حكامة جديدة في مجالات الديمقراطية و التنمية، مطبعة اقرأ ، الطبعة الأولى ، الناظور 2007، ص199.

مقاربات في التدبير الترابي

الوسوم

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله