fbpx

مقترب التوزيع السلطوي للقيم

شكل مصطلح “السياسة” جدلا واسعا بين العديد من المختصين والباحثين في العديد من المستويات، فهو في اللغة يشهد تباينا في ماهيته وفي الاصطلاح تتعدد مفاهيمه بتعدد زوايا النظر التي ينطلق منها الباحثون، ثم من الناحية الابستمولوجية يثير عدة تساؤلات حول مدى إمكانية نسبته إلى العلم، أما بالنسبة لموضوعه فقد تعددت الاتجاهات وتباينت بصددها النظريات، حيث ذهبت مجموعة من الاتجاهات إلى ربط علم السياسة بكونه “هو علم السلطة”، ويركز أصحاب هذا التعريف السلطة السياسية باعتبارها الظاهرة السياسية الأم، و يدرس السلطة باعتبارها مفهوما شاملا يمتد إلى كافة الاجتماعات البشرية، فمنذ وجد الإنسان على ظهر الأرض، والعيش مع الآخرين ضرورة تتطلبها الطبيعة الإنسانية، وهي بدورها تفرض ضرورة وجود علاقات مبنية على أساس التفاوت والاختلاف مما يتطلب وجود حقوق والتزامات واختلافات بصدد كل هذا مما يفرض وجود سلطة، فالسلطة وضع اجتماعي محتم وهي إحدى مُسَلمات الطبيعة البشرية. في حين ذهب البعض إلى تعريف علم السياسة بأنه: “العلم الخاص بدراسة الدولة” فارتباط علم السياسة بالدولة هو قديم جدا ظهر في البداية عند اليونان من خلال متلازمة “الدولة/المدينة” بحيث كانت كل دولة على شكل مدينة، لتعرف الدولة فيما بعد مجموعة من التطورات في كل من النظرية العقدية والنظرية القانونية، والنظرية الماركسية. أما الاتجاه الثالث الذي يعَرِّف علم السياسة على أساس أنه العلم الذي ” يُعْنَى بدراسة التوزيع السلطوي للقيم داخل المجتمع”، ويرجع هذا التعريف الأخير للأمريكي ديفييد إستون.
في هذا السياق سنحاول تسليط الضوء على مقترب التوزيع السلطوي للقيم باعتباره أحد مواضيع علم السياسة، محاولين في ذلك الوقوف على ماهيته.
للتغلب على صعوبة التمييز بين السلطة بوجه عام والسلطة في الإطار السياسي، ذهب العالم السياسي المعروف “ديفيد ايستون”[1] إلى أن علم السياسة هو التوزيع الإلزامي للقيم في المجتمع وقد أصبح هذا التحديد لموضوع علم السياسة مقبولا في السنوات الأخيرة عند أغلب المفكرين وعلماء السياسة ومازال يؤخذ به إلى الآن.[2]
وقد ركز ديفيد ايستون البحث في المجال السياسي على العلاقة بين السلطة والقيم، فبالنسبة إليه ليست القيم ما يميز السياسات عن غير السياسات -في عُرفه-، ذلك لأنه يرفض قول “كاتلين” أن السياسة هي دراسة الأنماط التي تتوزع بواسطة القيم والامتيازات في مجتمع ما، لأن هذا القول في رأيه لا يميز بين السياسات والاجتماعيات، وذلك لأن جميع المؤسسات في أي مجتمع تساعد بطريقة أو بأخرى على توزيع القيم، الحقوق والامتيازات في هذا المجتمع.[3]
فليست الدولة الصانعةَ الوحيدة للقرارات في المجتمع، لأن هناك سياسات الفئات القائمة داخل مجتمع بكامله، ولا يكفي اتخاذ القرارات لوحده، إنما يجب أن يكون مقرونا بالتنفيذ. فالسياسة برأي “ديفيد ايستون”، هي اتخاذ القرارات المتعلقة بالأمور المجتمعية وتنفيذها، والسياسة تكون سلطوية بالنسبة لشعب ما، عندما يعتبر نفسه مجبرا على إطاعتها، ولا تعد كل ممارسة للسلطة عملا سياسيا، لأن السياسة ترتبط ارتباطا وثيقا بغاية سياسية، هي توزيع الخيرات والشح في المجتمع.[4]
فالسياسة هي التوزيع السلطوي للقيم، ولا يدخل كل توزيع للقيم في اهتمامات السياسة، فهناك توزيعات سلطوية للقيم في أي مجتمع كان لا يصح أن نعتبره سياسة، إن دستور أي مؤسسة اجتماعية هو إطار عام لفرض قرارات تتخذ في نطاقه، وبالتالي تعتبر ملزمة لمجموع الأعضاء، أي أن العلم السياسي يهتم بالدرجة الأولى بالتحول السلطوي للقيم المتعلق ليس بجمعية أو هيئة هي قسم من المجتمع بل المجتمع [5].
فهي إذن قرارات مجتمعة وللتوزيع القيمي الذي ينتج عنها تأثير على المجتمع بكامله، والتوزيع السلطوي للقيم يظهر السياسة اجتماعية تتناول فيه جميع فئات المجتمع، وظهور السياسة نتيجة لتنازع فئاته -المجتمع- على القيم الكائنة أو التي يجب أن تكون فيه ولا يمكن أن يسوى هذا التنازع إلا بوضع سياسة تُفرض على الجميع.
من هنا يأتي القول بأن موضوع علم السياسة هو التوزيع السلطوي للقيم، لأنه لا يتناول فئة من المجتمع، إنما المجتمع بكامله، وهذا التعريف بعلم السياسة يمتاز عن غيره بالدقة.
وبمحاولة الفصل بين السياسات والاجتماعيات، وبين التوزيع السلطوي وغير السلطوي للقيم، كما لا ينحصر ظهور التوزيع السلطوي للقيم بالدولة، وإنما يظهر في المجتمعات البدائية/القبلية حيث توجد سياسة تتناول جميع فئات المجتمع، كما يظهر أيضا على الصعيد الدولي على الرغم من عدم وجود سلطة دولة لها صفة الحكومة.
كما أن “لازويل”[6] الذي يعتبر أحد أهم المفكرين البارزين في حقل العلوم السياسية، له إسهامات في هذا الاتجاه، حيث انطلق من تساؤلات تحدد في: من يحصل على ماذا؟ أين؟ ومتى؟ وكيف؟، فمفهوم السياسة عند هذا الأخير، يرتكز على فكرة أن السياسة هي الأنشطة المتعلقة بتوزيع الموارد في المجتمع، وبذلك فإن السياسة تنطوي على الصراع والتعاون، وتتصف بالعالمية والديناميكية.
كما أن جابريل ألموند باعتباره أحد المساهمين في تبلور هذا الاتجاه، يعالج نقطة ضعف كبيرة في تعريف “ايستون” و”لازويل” ألاَ وهي حصر النشاط السياسي في التوزيع، فوِفق آلموند “السياسة ترتبط بالنشاط الإنساني المتصل باتخاذ القرارات”والتي لابد من أن يتوفر لها شرطان:
1- أن يعتبر الذين يقصدهم القرار أو يطالهم أن عليهم أن يخضعوا له، أو أنهم على أي حال سيضطرون للخضوع له، مدفوعين في ذلك باعتبارات أخلاقية أو بخوف من الجزاء.
2- أن تكون هذه القرارات أو الإجراءات تهم المجتمع كله، قرارات عامة وليس جُزءا منه جمعية مثلا أو فرد (كما سبق الذكر)، أو إذا اعتبر أفراد المجتمع أن الإجراء المتخذ هو إجراءٌ سلطوي حتى ولو لم يتناول هذا الإجراء مباشرة سوى قسم من هؤلاء الأفراد (دعم أسعار المحاصيل الزراعية على سبيل المثال تهم الفلاحين ولكن يتحملها المجتمع ككل).
وجابريال يعرف السياسة على أنها عملية صنع القرار، على أساس أن عملية توزيع الموارد أو القيم إنما تمر عبر قرارات يتخذها الماسكون بالسلطة (صناع القرار)،[7] وبالتالي فالتركيز يقع على :
1- خطوات صنع القرار.
2-المؤسسات المعنية بصنع القرار.
3- دور القادة وخلفياتهم وتفضيلاتهم عند صناعة القرار.
-نوع القرارات المتخذة … إلخ.
لايمكن حصر موضوع السياسة في دراسة الدولة، لأن هناك مجتمعات كثيرة تكونت قبل نشوء الدولة، وهي مجتمعات سياسية. ينقسم الشعب فيها إلى حكام ومحكومين أي توجد فيها سلطة سياسية، فلا يجوز أن تبقى دراسة هذه المجتمعات خارج نطاق علم سياسةِ الظاهرة التي رافقت نشوء وتطور المجتمعات، وتطورت معها، هي ظاهرة السلطة، والسلطة ليست غاية بذاتها لذلك من الأفضل ربط موضوع علم السياسة بالتوزيع السلطوي للقيم.
وقد اضطر كثير من علماء السياسة في عام 1969 الاعتراف بأن ثمة نقدا موجها إلى ما كان يطلق عليه في الماضي “الثورة السلوكية” ولقد أطلق البعض على الحركة الجديدة التي ظهرت بعده “ما بعد السلوكية”. ولينفتح موضوع علم السياسة على مجال آخر من العلوم المعاصرة وهو موضوع “حل النزاعات”، وهذا الأخير يركز على اعتبار التدخل من أجل حل الصراع والمنازعات والخلافات أيا كان موضوعها هو الظاهرة الاجتماعية التي يمكن اعتبارها ظاهرة سياسية، وبالتالي فهي الموضوع الأساسي لعلم السياسة.
——————————

المصادر:
1- صاحب النموذج التحليلي الشهير لتحليل السياسة المعروفة نموذج المدخلات و المخرجات، وهو أستاذ جامعي بجامعتي شيكاغو كاليفورنيا، ومحلل سياسي وأكاديمي وله اسهامات متعددة في مجال السياسة..ولد ولايات المتحدة الامريكية 1917.
2- عبد البديع أحمد عباس أصول علم السياسة القاهرة مكتبة عين شمس، سنة 1982، ص. 22.
3- ملحم قربان، المنهجية والسياسة ، بيروت دار العلم للملايين، الطبعة الثالثة، 1973 ،. ص59.
4- حسن سليمان مدخل إلى علم السياسة،بيروت، دار النضال للطباعة و النشر والتوزيع ص 118.
5- المرجع نفسه، ص119.
6- .هارولد لازويل: عالم اجتماع أمريكي درس ثأثيرات أجهزة الإعلام على تكوين الرأي العام، وهو صاحب صيغة لازويل الشهيرة في تصميم الرسائل الإعلامية المستنبطة من طرح الأسئلة التالية (من يقول ؟ماذا يقول، بأية وسيلة ،لمن ،وبأي قصد).
7- محمد الحاج مسعود، مدخل إلى علم السياسة، ص: 86-87.

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله