fbpx

نداء “الله أكبر” من نيوزيلندا

يوم الجمعة.. أفضلُ أيام الأسبوع؛ يُحيي فيه المسلمون صلاة الظهر بخطبتيْن في المسجد، بينما يستقبل فيه اليهود ليلة سَبتهم المقدّس، وتُنهي فيه أغلبية الناس في كل أنحاء العالم أسبوع عملها. يوم الجمعة، هو يوم الأسبوع المفضّل عند جل الأفراد، باختلاف أصولهم، ثقافتهم وديانتهم. يومُ جمعةٍ كان من المفروض أن يكون لمُسلِمي “كرايستشرش”، كسابقيه: مبتهجا، هادئا، تتصافح فيه القلوب وتنشرح فيه النفوس، خاشعة، مطمئنة، متحررة، ملبية نداء مولاها ونداء جوارحها. لكن جمعة 15 مارس لم تكن كذلك، لهم، ولكل إنسان بقلبه ذرة إنسانية. 
شرعتُ في كتابة المقال، وفي ذهني تراقصَتْ إجاباتٌ عن أسئلة من قبيل: لماذا حدث هذا؟ كيف ننجو من كل هذا؟ من المسؤول الحقيقي؟ إلخ.. لأجدني ممتطياً مخيلتي، مسافرا إلى مكان الحادث، و كأن روح أحد الضحايا سكنتْني لتُفهمني أن لا جدوى من أسئلتك وأجوبتك، فما حدث أبشع من أن نخوض في النقاشات، وأن السبيل الوحيد لتفهم وتحسّ فعلا بما وقع هو أن تعيش السيناريو الذي سأسرُده عليك الآن: 
الساعة تشير إلى السادسة صباحا، صلاة الفجر في مدينة “كرايستشرش”. رجل عجوز كعادته يستيقظ دون حاجة للمنبه. بعد سنوات من العمل الشاق، ومن التفاني في دور الأبوة، اختار أن يهَبَ ما تبقى من حياته لمسجد صغير في الحي. يساعد في تنظيفه ورعايته. يساهم في أنشطة دينية وحملات خيرية للمحتاجين، وخاصة المهاجرين، كونه هو الآخر عاش نفس تجربة الهجرة والاحتياج. اليوم يوم جمعة. يوم عيد. يمشط لحيته الرطبة البيضاء، يكسو شعره الغائب بقُبّعة من الفرو، الكل مرسوم على وجهٍ بتجاعيد تدل على كفاحه، تحسبُه ملاكاً لَوْلاها ! 
السابعة صباحا. شاب عشرينيّ قرر أن يتصالح مع إيمانه في صلاة جمعة اليوم. لن يصلي صلاة الصبح لتأخره عن الجامعة. لكنه أخذ كل الاحتياطات وخطّط لكل شيء لكي يكون حاضرا في الصفوف الأولى في المسجد لصلاة ظهر اليوم. 
أربعة أصدقاء. أربعة ألوان بشرة مختلفة. مهندس، سائق حافلة، مدرب رياضي و صاحب شركة. كانت الساعة تشير إلى العاشرة عندما اتفقوا، عبر رسالة هاتفية، كلٌّ من عمله، على أن يؤدوا صلاة جمعة اليوم في نفس المسجد. فرصة لهم لكي يلتقوا من جديد بعد ما شغلتهم حياتهم العملية والأسرية. كلٌّ يحكي جديده، يتقاسمون همومهم ويحيون ماضيهم المشترك. 
قبل ساعة من موعد الصلاة، أمٌّ تُسابق الوقت لتحضير وجبة غداء العائلة قبل الذهاب إلى المسجد. تحضّر، لوحدها، ثلاثة أضعاف كمية الغداء المعتاد حتى يكفي بذلك أبنائها الآتين لزيارتها. 
الساعة 13h38..”الله أكبر.. الله أكبر”.. إنه نداء الصلاة.. نداء لترك الحياة المادية مؤقتاً.. نداء اللقاء.. نداء التوبة.. نداء السكينة.. نداءٌ لم يفهمْهُ أحدهم فلَبّاه، بعد قرابة سبع دقائق، ببندقية خَطّ عليها كل ما استحضرت ذاكرته من أحداث حزينة للمسلمين وأسماءِ أشخاص معادين للإسلام. اتجه بها للمسجد ليُجهز على أناس مسالمين، ويجهز بذلك على إنسانية الرجل العجوز، حماسة الشاب، حب الأصدقاء وحنان الأم. اعتَقدَ، ربما، أن نداء “الله أكبر” هذا في الآذان هو نفسه نداء إرهابيّين مجرمين يقتلون باسم الإسلام. نداء “الله أكبر” هذا يا “برينتون” لم يكن ولن يكون يوماً، لمُسْلمي العالم المسالِمين، شعارًا يحرك حماستهم وشهيّتهم للإجرام. “الله أكبر” نتصل بها بالخالق، نغادر بها هذا العالم المادي الرخيص لنخاطب الروح التي تسكننا. 
الساعة السابعة صباحاً بتوقيت باريس. أستيقظُ بأهدافٍ وأحلام تكبر مع توالي الأيام. أريد بلوغ هذا والحصول على ذاك. أحلم أن أفعل هذا وأن أجرّب ذاك. حماستي لا تزيد ولا تنقص عن حماسة الشاب العشريني. أتلقى خبر الهجوم الإرهابي. أحزنُ. أحسُد الضحايا الشهداء. أشفق على أهاليهم. أعي قِصر الحياة. أخرُج لعملي، سائلاً ربي صفاءَ القلب والزُّهد في هذا السباق الدنيوي المادي الفاني.
 

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله