fbpx

نفيٌ إلى أقاصِي “مكتباتهم”

أنْ يزيحك كتابٌ عن كتاب، أن يُصَفِّد يديْك ويشُدّ نظرك وينفيك إلى أقاصي “مكتباتهم”.. ذلك هو سحر القراءة التي قال عنها أيت حنا: ” نمطُ وجود.. فنحن لا نقرأ عادة أمام الكتب وإنما نحلم..! ” 
محمد آيت حنا.. الساحر الذي يحرك عصاه ليُلقي تعويذة الجمال ناثراً بذلك الكثير من السحر على واحة الورق! 
في دلالة العنوان 
“مكتباتهم” أو هكذا سَمّى الكاتب منفايَ .. إنه عنوان خادع لمضمونٍ ساحر!واهِمٌ من يظن أنها فسحة بين رفوف مكتبات الأعلام التي ضمّها الفهرس. الكتاب عبارة عن مقالات انطلقت من مكتبة الكاتب نفسه لتتحدث عن فكرة لأدباء ومفكرين وفلاسفة.. من مختلف الجنسيات. وهو عبارة عن رؤى خاصة لأقوال كبار الأعلام مثل هاوكينغ، وأورهان باموك، وابن سينا، وأمبيرتو إيكو، وشوبنهاور، وبورخيس، وكيليطو، ويوسا، وسارتر، وابن بطوطة، وأفلاطون والجاحظ وآخرون.. 
وحتى يكون التعبير دقيقاً، فإن كل مقال يتضمن فكرة من كتاب في مكتبة أيت حنا، موسوم باسم صاحبه! قد يرى البعض أنها خدعة لاستدراج الكثير من القراء، إلا أنه حينما سُئل أيت حنا عن العنوان، رد قائلا: ” مادة الكتاب هي ما كتبه الآخرون، فهي بشكل أو بآخر مكتباتهم”. 
متن الكتاب 
وأنا ألِجُ “مكتباتهم” مكبّل اليديْن، أقدّم نظرةً إلى الأسطر وأؤخر أخرى، وجدتها عامرة بأعلام من كل حدب وصوب، ووجدت مِن كل فنّ طرب. 
استوقفني أيت حنا بين رفوف مكتبة القيِّم على المكتبة ليسرد عليّ قصة تشكلها ويتلو على مسامعي كيف رقّع مِزقها المتناثر، وكون هيكلها الهلامي قطعة قطعة. كان ذلك من كتبٍ كان يسطو عليها من حَجّه إلى بيت أقاربه، منقذا إياها من العيش صامتة وسط المتلاشيات وخيوط العنكبوت. حيث قال بنبرة مَن يحكي انتصاره: “الكتب التي كنت آخُذها مَدينَةٌ لي أن منحتُها صوتا، كتبٌ ما كانت لتنطق يوما لو أنها ظلت مكانها ..” ثم بعد برهة أضاف عن المكتبات التي سيأخذني إليها: ” نسيجها الخيال والتأويل، والكثير من الأكاذيب والقليل فقط من الحقائق.. “. 
في المنعطف الأول كانت مكتبة هاوكينغ شامخة تطرح مشكل غزو البشر لليابسة وتضاعف الكتب لتقلص المساحات الفارغة … ومعها سيضطر البشر لاحتلال مساحة الكتب، وبلا شك، لاختيار كتاب واحد أحق بالخلود، فمن هو يا ترى؟ هنا تكلم أيت حنا مجددا واعتبرها مجرد تخييلات، فالأكيد أننا نحن البشر سننقرض بمدة طويلة قبل اختفاء الكتب! وحتى إن حدث، فالذي استطاع سجن “الكون في قشرة جوز”، يستطيع اختزال المكتبات فيزيائيا في أبعاد لا تضيق علينا الخناق! 
لمحتُ بعدها مكتبة فالتر بنيامين، كان “أحد القلائل الذين فهمو المكتبة لا كفضاء لحفظ الكتب وإنما كسيرورة لا نكاد نستبين بدايته” فكتاب واحد كما يقول لا يكفي قطعا للقول اننا نملك مكتبة، لكنه بداية الوعي لتشكلها! 
أما مكتبة كورتثار فقد طرحت نقاشا آخر يكشف الفرق بين ندرة الكتب ووفرتها وأيهما أسوء! … 
أيهما أفضل أن تكون محكوما بقراءة وإعادة قراءة ما قرأته مرارا أو أن تزدحم عندك الكتيبات فتفقد القدرة على القراءة تدريجيا؟ 
طبعا الندرة أقل خطرا من الوفرة، ذلك أنه – حسب أيت حنا – الندرة تحفز الحواس على القراءة بينما تلقي بك الوفرة الى مهاوي الخمول! ثم وفي زمن فيه عدد القراء ويتضاعف عدد الكُتّاب استنطق مستقبل القراءة: هل سيصل الكاتب إلى درجة دفع النقود للحصول على قراء؟ وانتشار الوساطة بين الكاتب والقارئ !؟ 
ذهب بي ايت حنا بعيدا، حينما مررنا على مكتبة إبن سينا وصولا الى مكتبة ترانسترومر، ورويدا رويدا بدأت أستحلي منفاي وأألفُ أجواءه اللطيفة: 
– لا أجمل من نفي قارئ إلى مكتبة! 
قال ايت حنا كنوع من الاحتجاج بعدما رأى تعويض خشب المكتبات بالحديد والبلاستيك أن ” المكتبة التي لا يقوم هيكلها على أكتاف الخشب، تكاد تكون مكتبة زائفة”. 
لمّا وصلنا لأمبيرتو إيكو، حكى لي الكاتب ما كان وجهة نظر أخرى للقراءة، فالواقع كما قال أن الكتاب هو من يقرأ القارئ، يتغذى على لياليه ويعتاش على فكره وأرقه ويسعى الى تملكه تماما بحيث لا ينظر الى سواه! 
أما مكتبة أورهان باموك، فقد حددت الفرق بين القارئ ومقتني الكتب. فالأول يستحضر الكتب كأفكار ومضامين ويبني معها علاقة خاصة، بينما المقتني لا يعني له الكتاب أكثر من مادة محسوسة وشيء له وجود فيزيائي ويشغل حيزا خارج الذهن. 
عَرّجْنا على مكتبة الرجل الذي ينتج كلاما ليس في الدنيا أحمق منه! (أبو العبر)، حيث توقفنا عنده ليسرد الكاتب تجربته وهو الذي كان يجلس على الجسر كي يدون ما يتناهى إلى سمعه من كلام الذاهبين والعائدين حتى تمتلئ صحيفته ثم يعمد إلى تمزيقها أربع قطع ويرصف القطع بترتيب مخالف لينتج كلاما “ليس في الدنيا أحمق منه” في محاولة منه لتكون له لغته الخاصة ومنطق كلامه الخاص وهي واحد من أكثر التجارب الكتابية سريالية في التاريخ حيث يسعى الكتاب إلى إحداث منطق عبر اللامنطق، كما سعى لتأسيس “المكتبة الحية” التي يكتبها بنفسه مع القراء الذين استقطبهم ليشكلوا الفضاء العام وسياق الكتابة. 
أما لما عبرنا الى ضفة جاك دريدا، فقد قال ايت حنا أن المكتبة تخشى الفراغ! ذلك أن ما تمثله الكتب بالنسبة للمكتبة، هو ما تشكله الأسنان بالنسبة للفم، إزدحامها تعب، وشساعة الفجوات بينها بشاعة! 
وصلنا أعتاب مكتبة كيليطو. هنا وحده القارئ “يملك قبضة من أثر الرسول” ينفخ منها على الكتاب فتصير له هوية، فالقارئ هو روح المكتبة وهو الذي يحولها من مقبرة الى كرنفال. 
مكتباتٌ كثيرة مررنا بها ( سارتر، زفزاف، ابن بطوطة، المأمون، شوبنهاور … وآخرون ممن شكلو رفوف مكتبة القيم على المكتبة)، كانت مكتبة متنوعة وكأنه يقطف من كل بستان زهرة. 
أوصلني بعدها ايت حنا الى بناية ملحقة بالمكتبة، وفك قيدي. تطلعتُ طويلا في عنوانها قبل أن يقول: “مكتبة أحمد بوزفور … هنا حيث طُردت من المكتبة وأنا أقرأ كتاب “المكتبة”! 
– آهٍ كم كان أيت حنا مفرطا في تواضعه حينما قال في حوار له، إنه اختار الترجمة لأن الأخرين يكتبون أحسن منه! وكم كان منفاي جميلا وعصيٌّ علي أن أصدق أن الكاتب أعادني إليّ بهذه السرعة، تلك هي الكتب التي تأخذ معها شيئا منا، الكتب التي نغادرها ولا تغادرنا، تلك هي “مكتباتهم”! 
● محمد آيت حنا، كاتب ومترجم مغربي. رأى النور سنة 1981 بمدينة الرباط، وهو مدرّس بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالدار البيضاء، حاصل على دبلوم الدراسات المعمقة في التاريخ والفلسفة. 
ألّف آيت حنا عدة مؤلفات: “عندما يطير الفلاسفة” – “القصة والتشكيل” – “الرغبة والفلسفة.. مدخل إلى قراءة دولوز وغوتاري” – “الحديقة الحمراء” (رواية).. كما ترجم عدة أعمال، من بينها “الغريب” لألبير كامو، “الدفتر الكبير” و”اللص” لأغوتا كريستوف.

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله