fbpx

نقد الفكر الإلحادي المعاصر – الجزء الثاني

تتمة الجزء الأول من المقال النقدي

إن البشرية دائمةُ الاختلاف حول مسائل الغيب والأخلاق[1]، فقد تخبّطت منذ فجر التاريخ في أنساق غيبية روحانية، وجابت الشعائر الميتافيزيقية، وكان عنوانها الدائم هو الاختلاف. يقول الأستاذ حسن أوريد في كتابه “الإسلام والغرب والعولمة”: «لئن كان حق الاختلاف مسلما به، من الناحية النظرية، فإنه ما تلبث أن تثور مشاكل مستعصية حينما ننتقل إلى أرض الواقع. فحق الاختلاف يقوم وسطا بين نظرة شمولية ونظام كلياني يرى أنه وحده المرجع، وبين حرية مطلقة العنان تفضي إلى فوضى وانتفاء المسؤولية.» [2]. 

حُرّيةٌ مطلقة أدت إلى بروز موجة ثائرة إلحادية، فلا وجود لكينونة خلاقة بدون تصور كوني واضح. صيرورة نقد الفكر الإلحادي المعاصر الطاعن في الدين والمائل عنه، تجري -كما يشاع- بين ثلاثة أسئلة: كيف يستدل؟ وبماذا يستدل؟ ولماذا يلحد؟ بمعنى أدق هل يتأسس استدلال الملحد على ضوابط عقلية، أخلاقية ومنهجية؟ 

كان الإلحاد، وما زال، منقوضاً مهزوما، إلّا أن صورته التسويقية وسعت نشاطه؛ كونه أصبح موجها وممولا من دول وجمعيات وجامعات عالمية معظمها غربية لمحاربة الإسلام وأهله بدعوى محاربة الإرهاب الديني[3]، ولأنه بات سهل النشر بواسطة مواقع التواصل الاجتماعي في الشبكة المعلوماتية.

لقد اعتبر الدكتور خالد كبير علال في كتابه “نقد العقل الملحد”، أن منهج الإستدلال عند الملحد يقوم على خمسة أصول: الأول يتعلق بمبدأ؛ بمعنى المطالب بالدليل أولا الملحد أو المؤمن؟ والثاني يتعلق بموقف عقل الملحد من قانون العلية، السببية، والثالث يتعلق بهدم العقل الملحد لمنطق العقل انتصاراً لإلحاده، والرابع يتعلق بالشرط الذي يجب توفره في الأفكار والظواهر لتكون علمية ومقبولة لدى العقل الملحد. بينما الخامس يتعلق بمدى يقينية منهج الإستدلال عند العقل الملحد[4].

إن الصورة التي تُسوّق لنا، بأن المؤمن ضعيف مقارنة مع الملحد، هي صورة غير دقيقة ولا أساس لها من الصحة، فالأمر يتعلق باتخاذ الملحد دور المهاجم والمؤمن دور المدافع لا غير، ليظهرَ المؤمن في موقفِ ضعف، والحق كما يظهر جلياً وملياً في عقل الملحدين المعاصرين، أنه المتحايِل والمتهَرّب.

صفوة القول، إننا لا نتبنّى كفة الدين على كفة الإلحاد، ولا نحكم على تهافت عقل الملحد بالمطلق، بل نتبنى شروذ الفكر الإلحادي المعاصر وضُعفه، مقارنة مع الفكر الديني؛ فالزاهد به أنه عندما يكون الحديث قائما على ما هو غيبي ميتافيزيقي، يكون الاختلاف سائداً وعارماً، على أن معظم المتناولين لقضية العلة في الميتافيزيقا، خلصوا إلى أن العلة موجودة قائمة، إلا بعض الحدوس التي لا يحسب بها، كونها إما رفضت الخوض في هذه المسائل، وإما تخلّت واستغنت تماما عن شيءٍ اسمُه الدين، لتتطلّع إلى الحرية المطلقة قصد تحقيق كل الرغبات..

حمزة كدة

يجب إعادة النظر في مسألة تأييد العلم للإلحاد على حساب الإيمان، قد يبدو الفكر الإلحادي المعاصر موضوعياً ودقيقاً، بيد أن تصفح أعماقه وجوافه، تبين تستُّر الملاحدة بالعلم، والمادة، على أن هذه الأخيرة بريئة منه.

إن الفكر الإلحادي المعاصر، فكر يفتقر للشجاعة الفحصية، والتناظر الموضوعي والدقيق؛ إنه أداة مصلحية برغماتية مكرية. لقد بات الملحد -معظمهم وليس كلهم- يلحد من أجل الإلحاد لا غـيْر!

يقف الفكر الإلحادي المعاصر، إذن، في الصف الثاني على تشويه صورة الدين، على أن بعض رجال الدين أو المتشبهين بالدين، يمكن تصنيفهم في الصف الأول، لخنوعتهم، وتلطيخهم الدين عند ممارسته، داعمين الغرب والفكر الإلحادي المعاصر بشكل غير مباشر.

للتدوين معنا على زوايا .. راسلونا على
https://zawayablog.com/%d8%a3%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d9%85%d8%b9%d9%86%d8%a7/

التدقيق اللغوي: حفصة بولهري وفريق مدونة زوايا

مراجع وهوامش 

  • [1]: عزيزي الملحد، أسئلة الملحدين أمام العقل والعلم – د.محمد محمد داود، ص 24.
  • [2]: الإسلام والغرب والعولمة – حسن أوريد، ص 11.
  • [3]: نقد العقل الملحد – د.خالد كبير علال، ص 3.
  • [4]: نقد العقل الملحد – د.خالد كبير علال، ص 5

الآراء الواردة في التدوينة لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظَر فريق مدونة زوايا، ولا تُلزِمُه. وبه وجبَ الإعــلام والســلام!

الوسوم

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله