fbpx

هل سيصبح القمر منجما للأرض مستقبلا

وهل تتحقق نبوءة الكوكب البديل؟

أصبح القمر مركز اهتمام وكالات الفضاء كوجهة للمهمات الروبوتية وللمستكشفين البشريين، حيث جذب انتباههم باعتباره أرشيفا للتاريخ الكوني وحجر الزاوية لعلم الكواكب في الفضاء الخارجي، وبعد الأبحاث الطويلة المرتبطة بدراسة بنيته الجيولوجية التي دامت لسنوات، تلك المتعلقة ببعثات أبولو التابعة لوكالة ناسا “NASA” الفضائية الأمريكية، استطاع العلماء والخبراء التوصل إلى أن الغلاف السطحي للقمر أو ما يصطلح عليه ب”ريغولث” أو الحطام الصخري، يتوفر على كميات هائلة من المعادن النادرة كالبلاتين الذي يعتبر أثمن من الذهب وأكثر ندرة منه، ومن خصائصه عدم التأكسد وعدم التأثر بالأحماض الشائعة كما يتم استخدامه في عدة مجالات كتوصيل الكهرباء وفي إنتاج المغناطيس الدائم والقوي.

ويتوفر الحطام الصخري القمري أيضا على معدن البلاديوم الذي يستعمل في العديد من الصناعات، إذ يمكن استخدامه في صناعة الإلكترونيات، كما يستخدم في طب الأسنان وفي الطب عموما، ويستخدم أيضا في معالجة المياه الجوفية، وتنقية الهيدروجين، وصناعة المجوهرات. ويوجد في غلاف القمر معادن مهمة أخرى كالنيكل الذي يمتاز بمقاومته للتآكل لذلك له عدة استخدامات كثيرة إذ يستعمل كطلاء للسبائك ويستخدم أيضا في تصنيع العملات المعدنية والمغانط والعديد من الأدوات المنزلية والطبية، ويتم اعتماده كذلك كعامل محفز في عملية الهدرجة وفي العديد من التطبيقات الأخرى حيث يعتبر كمركز نشط لتصنيع الأساس المعدني. ويوجد أيضا الكوبالت ذلك المعدن الرمادي الذي له خصائص مشابهة للحديد والنيكل، ويحظى بأهمية كبيرة لاستخدامه في بطاريات الهواتف الذكية وغيرها من الأجهزة الإلكترونية.

وأدت كل هذه المعطيات حول القمر إلى جعل معظم وكالات الفضاء الدولية الرائدة في مجال الأبحاث والابتكارات الفضائية تتهافت وتتسابق للوصول إلى سطحه من أجل استغلال هذه الموارد المعدنية لسببين: الأول يتعلق بالأهمية الكبيرة لهذه المعادن النادرة في الاقتصاد العالمي، وذلك لاستخدامها في صناعة الإلكترونيات. والسبب الثاني يتعلق بسيطرة الصين على 90% من مخزون المعادن النادرة، لذا فإن الوصول إلى مصدر خارجي لهذه المعادن يعتبر مسألة أمن قومي عند بعد الدول؛ خصوصا وأن الدراسات نفسها أكدت أيضا على احتواء الصخور القمرية لكميات هائلة من الأوكسجين الذي سيمكن من تزويد رواد الفضاء بهواء صالح للتنفس ويمكن استخدامه أيضا لتركيب الماء وحتى لصناعة وقود الصواريخ. زيادة على ذلك فإن الخبراء يعتبرون القمر بمثابة محطة لتزويد المركبات الفضائية بالوقود والمؤن أثناء رحلاتها إلى المريخ أو المشتري في المدى البعيد، الأمر الذي جعل وكالات الفضاء تشعر بأن الظروف الملائمة للعمل على تعدين سطح القمر باتت متوفرة وبقوة للسير قدما في غزوه وبناء قواعد على سطحه.

وقد حث نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس وكالة ناسا “NASA” في 26 مارس 2019 على تسريع عودة الإنسان إلى القمر في السنوات الخمس المقبلة، كما وضعت وكالة الفضاء الأوروبية “ESA” خططا لإنشاء قاعدة أوروبية خالصة على سطحه بحلول 2025. وتطمح الهند أيضا إلى بناء مستعمرة عليه لاستغلال ثرواته الباطنية، إذ أرسلت مسبارا إلى سطحه في 18 نونبر 2008 كانت هذه أولى بعثاتها التي سميت Chandrayaan_1، التي مكنتها من التوصل إلى معطيات جد مهمة بخصوص الكنوز التي يتوفر عليها الغلاف الصخري للقمر. وتسعى الصين كذلك إلى تشييد قاعدة عليه بعد أن نجحت في برنامجها الفضائي تشانجي الذي أعدته وكالة الفضاء القومية ” CNSA”، حيث قامت بإرسال مركبة الفضاء ” تشانغ آه 4 ” التي أضاءت الوجه المظلم للقمر بُعَيْد هبوطها عليه لأول مرة في تاريخ البشرية في يناير 2019، فبعد علمها بكمية الأوكسجين الكبيرة الموجودة في بنيته الجيولوجية، قامت بعملية هي الأولى من نوعها في العالم، إذ زرعت بذور القطن على سطحه ونجحت في استنبات هذه البذور، في محاولة للتأكد من إمكانية وجود ظروف ملائمة للعيش هناك في المستقبل، وقد أعلن القائمون على المشروع الذي شاركت فيه 28 جامعة صينية، أنه قد أنبتت ورقتان من القطن عاشتا لمدة عشرين يوما، ثم ماتتا بسبب انخفاض الحرارة إلى أقل من 150 درجة مئوية تحت الصفر.

وتتطلع روسيا كذلك إلى إنشاء قاعدة على سطح القمر لنفس الأهداف التي تطمح إليها جل هذه الدول الرائدة في مجال الصناعات والابتكارات الفضائية، حيث أعلن دميتري روغوزين مدير وكالة الفضاء الروسية “Roscosmos”، أن الوكالة تخطط في عام 2021 لإرسال جهاز الإنزال الفضائي “لونا-25″إلى القمر، وفي 2023 الجهاز المداري “لونا-26″، وفي عام 2024 جهاز الإنزال الفضائي “لونا-27″، وسترسل روسيا إلى القمر كذلك عربة فضائية ثقيلة غير مأهولة “لوناخود” لاستخراج الثروات الباطنية ووحدات ومعدات لبناء القاعدة القمرية الروسية، وتخطط أيضا في الفترة بين 2031 و2035 لعدة رحلات فضائية غير مأهولة وإرسال جهاز فضائي متعدد الاستخدام إلى القمر مخصص لنقل شحنات مختلفة. وتعتزم كذلك الوكالة اليابانية للبحوث الجوية والفضائية “JAXA” أن تطلق بعد خمسة أعوام مسبارا صغيرا إلى القمر لإجراء بحوث علمية هناك حسبما أفادت وكالة “كيودو” اليابانية للأنباء يوم الاثنين 13 أبريل 2020، وأشارت الوكالة “JAXA”إلى أن المسبار سيطلقه إلى القمر صاروخ عامل بالوقود الصلب باعتباره صاروخا أرخص من مثيلاته العاملة بالوقود السائل، وقالت الوكالة إن إطلاق الصاروخ متعلق بتقوية المنافسة من قبل عدد من الدول التي تسعى إلى تحقيق التفوق في مجال دراسة القمر. ويذكر أن الحكومة اليابانية أعلنت العام الماضي عن نيتها الانضمام إلى البرنامج القمري الأمريكي الذي يقضي بإنشاء محطة فضائية دائمة في مدار القمر وإنزال رواد الفضاء إلى سطحه، فضلا عن إطلاق شاحنات فضائية إليه.

لكن، رغم كل هذه الطموحات والأهداف التي تسعى إليها كل هاته الدول في إقامة مؤسسات للتعدين على سطح القمر واستخراج ثرواته الباطنية، إلا أن هناك صعوبات عديدة تواجهها أثناء هذه العملية، من بينها :

الحرارة المرتفعة: فأية قاعدة على القمر ستحتاج إلى الحماية من درجات الحرارة السطحية، التي تتدرج من المنخفضة جدا إلى المرتفعة، فتتراوح بين °173.15C-  و°116.85C عند خط الاستواء، وفي المناطق القطبية فإن متوسط درجة الحرارة هو °123.15C-.

التعرض الإشعاعي: يتعرض سطح القمر لنصف كمية الإشعاع التي تتعرض لها الأجسام في الفضاء، نتيجة الغلاف الجوي الرقيق جدا للقمر وافتقاره لحقل مغناطيسي، وهذا يعني بأن رواد الفضاء والعمال على سطحه سيكونون عرضة لمخاطر التعرض للإشعاعات الكونية، وبروتونات الرياح الشمسية، والإشعاعات الناجمة عن اندفاعها. كما أن هنالك الغبار القمري، وهو عبارة عن مادة زجاجية كاشطة إلى حد كبير تشكلت خلال مليارات السنين نتيجة الاصطدامات النيزكية الصغيرة على السطح، ونتيجة لغياب عوامل التجوية والتعرية، لا يمكن احتواء غبار القمر فيجعل ذلك منه سببا في خراب الأجهزة، وله تأثيرات ضارة بالصحة. وأسوأ ما في ذلك، التصاقه بكل ما يمسه، حيث كان مصدر إزعاج كبير لطواقم أبولو.

العقبات القانونية: التي قد تواجه التعدين على سطح القمر. ويعود ذلك إلى “معاهدة المبادئ التي تحكم نشاطات الدول في الاستكشاف واستخدام الفضاء الخارجي، بما في ذلك القمر و الأجرام السماوية الخارجية” التي تعرف باسم معاهدة الفضاء الخارجي “The Outer Space Treaty”، ووفقا لهذه المعاهدة، التي يشرف عليها مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي “United Nations Office for Outer Space Affairs”، لا تملك أي أمة الحق في امتلاك أراض على القمر.

ورغم التفكير الشديد بثغرة قانونية لا تمنع صراحة الملكية الخاصة، إلا أنه لا وجود لإجماع قانوني على ذلك. وعلى هذا النحو، فكلما أصبح التنقيب والتعدين على سطح القمر احتمالية أكثر ورودا، سيتعين وضع إطار قانوني يضمن سير الأمور في طريقها الصحيح.
وعلى الرغم من أن الطريق قد يبدو طويلا، إلا أن التفكير بأننا قد نستخرج المعادن من سطح القمر لا يبدو أمرا غير عقلاني، وسيصبح القمر بموارده الغنية من المعادن، بما فيها تلك النادرة على سطح الأرض، جزءا من اقتصادنا، وقد نستطيع أن نبصر مستقبلا يتميز بوفرة المعادن بعد ندرتها. تخيل فحسب، مستوطنة على سطح القمر، حيث سيشعر المستوطنون بصورة دائمة بأنهم يزنون فقط 15% من وزنهم هنا على سطح الأرض. ويمضون وقت فراغهم بكل أنواع الجولات البحثية الهادئة على سطحه مستخدمين مركبات مخصصة لهذا الغرض، عليك الاعتراف بأن ذلك سيبدو ممتعا. أليس كذلك؟؟؟،

لكن هناك شيء أريد توضيحه لك يا من تقرأ هذا المقال، أنا أكلمك أنت!، نعم أنت، هل تظن نفسك ستتواجد على سطح القمر مستقبلا؟؟
سأجيبك على هذا السؤال، إذا كان بلدك يملك وكالة فضائية رائدة في مجال صناعة وابتكار تكنولوجيا الفضاء فستكون هناك دون أذنى شك. أما إذا كان بلدك لا يملك أية وكالة أو أية مؤسسة أو شركة من شأنها أن تبتكر تكنولوجيا تساعدها في دراسة الفضاء، فمن المستبعد جدا التواجد هناك على سطح جارنا القمر، خصوصا إذا كان بلدك أو حكومتك تهمش التعليم وتقمع وتمارس العنف على المعلم والأستاذ وتهمش الطالب والتلميذ، فأظن أنك وبلدك وشعبك سترجعون للعصور الوسطى المظلمة، فهي تليق بكم أكثر من حاضرنا هذا.


المراجع المعتمدة:

الموقع الرسمي لوكالة الفضاء الأوروبية http://www.esa.int
الموقع الرسمي لوكالة الفضاء اليابانية https://global.jaxa.jp
الموقع الرسمي لوكالة الفضاء الأمريكية https://www.nasa.gov https://nasainarabic.net
الموقع الالكتروني الروسي الإخباري https://arabic.sputniknews.com https://arabic.rt.com
الموقع الرسمي لوكالة الفضاء الصينية www.cnsa.gov.cn
الموقع الرسمي لوكالة الفضاء الهندية https://www.isro.gov.in

هل سيصبح القمر منجما للأرض مستقبلا

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله