fbpx

هل ماتت الإنسانية ؟

الإنسانية: كلمة مشتقة من الإنسان، والإنسان كائن حي،
يختلف عن غيره من الكائنات بميزة العقل. لكن الإنسانية دلالة، توحي بذلك الشعور
العظيم، الذي يجعلنا متعاطفين مع الآخرين. ذلك الإحساس الذي يدفعنا لمساعدتهم، ومد
يد العون لهم، في أشد المواقف صعوبة. فقد عرفها الفيلسوف “كونت” على
أنها مجموعة من الصفات، التي تكون كائنا اجتماعيا يتطور مع مرور الزمن. أما فيلسوف
الأخلاق “كانط” فيرى أنها أساس الواجب، وهدف الأخلاق. عموما يمكننا
القول أن الإنسانية، هي ذلك البحر الذي تصب فيه أنهار القيم والأخلاق الطيبة
.
لعلك لا تحب كثرة المفاهيم،
والتعقيدات التي تشوبها، رغم أني أرى أن مفهوم الإنسانية من أهم وأسهل المعارف
التي يجب على الإنسان أن يدركها. لكن دعنا الآن نغوص في الموضوع، لنمر للضفة
الأخرى، حيث تقبع اللاإنسانية. ولا أريدك أن تستغرب حين أجعلها رديفة للحيوانية،
أو حتى أكثر من ذلك. لكن إليك ما يلي: اللاإنسانية بدأت تستشري في المجتمع بشكل
فظيع، قد يتجلى لأي كان. فعدد المشردين في الشوارع، الشحاذين، اللاجئين، المهاجرين
والميتين جوعا ما عاد يحصى. وزد عليه عدد القتلى، والجرحى؛ لتحصي كل هؤلاء فأنت
تحتاج إلى أرقام من فصيلة المليون، فالآلاف لن تكفيك طبعا. وهناك رقم آخر يجب أن
تضعه في الحسبان، وهو عدد المنظمات الدولية، والجمعيات المحلية، التي تهتم بمجال
حقوق الإنسان بشتى فروعه
.
دعنا نغض الطرف عن هذه الأرقام
المزلزلة، ولنخض في غمار العلل التي أودت بنا إلى هذا المصير، فلو كان التحسر حلا
لبلغنا عنان السماء، لكن العمل الفعلي الجاد يبقى الحل الأول والأخير؛ لذا فلنراجع
الأسباب الكامنة وراء هذه الكارثة
.
التفاوت الطبقي، مشكل عانينا منه
لعصور، وبين من يشيد بضرورته ومن يندد بخطورته، دعنا نسقطه على الطرح الذي بين
أيدينا لنرى مدى تأثيره. سنجد أنه يساهم بشكل كبير، في مفاقمة الأزمة وينتج لنا
الكثير من الفقراء، وخصوصا في الدول المتخلفة، لنحصل في الأخير على كم هائل ممن
يقطنون الشوارع، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء. هناك سبب آخر لما نراه وهو
العلاقات غير الشرعية، التي ينخرط فيها بعض المراهقين، وحتى بعض الراشدين لسبب
وجيه؛ وهو إنتاج كم ضخم من أطفال الشوارع، الذين يفتحون أعينهم على قسوة الحياة،
وصعوبة العيش، وينشؤون على مبدأ “البقاء للأقوى” وعواقب هذا وخيمة لا
حصر لها، وسنحتاج مقالا مفصلا لمعالجتها. السبب الثالث هو الحروب وإني لأبغضها بغضا
شديدا لما فيها من وحشية وتعبير مطلق عن مفهوم اللاإنسانية، فضحايا هذه المهازل لا
تعد ولا تحصى سواء من يشاركون في ميدان الوغى، أو الأبرياء العزل الذين تزهق
أرواحهم بهتانا وظلما، ولن أستغرب إن اتضح يوما أن من يفتعلون هاته الحروب
الضروسة، متحولون فضائيون، فأفعالهم لا تمت للإنسانية أو حتى للحيوانية بصلة،
مخطاطاتهم أبشع من ذلك بكثير. هناك العديد من الأسباب الأخرى لكن دعنا نركز على
الدافع الذي يجعل الإنسان لا يتصرف بإنسانية تجاه الآخرين. إنه عصر التكنولوجيا،
السرعة والبرغماتية، فلا يستطيع فيه الإنسان النظر ناحية أخيه، بل يتغاضى عنه
وينأى؛ بحثا عن كل ما فيه نفعه، غير آبه بغيره، كآلة أوتوماتكية صماء، تعمل وفق
برمجيات معقدة لم تستطع إدراك العاطفة
.
لعلي قد حصرت مفهوم الإنسانية في
جانب معين، ولم أحط بكل معالمها، سواء الفلسفية أو الدينية. لكني تعمدت ذلك لأن
الإسقاطات على الواقع أهم من النظريات والأطروحات – على الأقل بالنسبة لي – والآن
قد حانت لحظة الحقيقة، فلا يكفينا أن نندب حظنا على ما آل إليه عالمنا، بقدر ما
يمكننا المساهمة في التغيير؛ لذا تعلم كيف تتحول من كائن بشري، أو آلة أوتوماتكية،
إلى إنسان يشعر… كيف ذلك؟ وأنت ذاهب للدكان؛ لتشتري قطعة حلوى، اشتري قطعتين،
وأنت عائد يمكنك أن تجد طفلا بريئا، يعلو السواد سحنته، أو امرأة عجوز. ما عليك
إلا أن تمد له تلك القطعة الثانية، وها قد بدأت تساهم بشكل فعال. لعل وضعك المادي
لا يسمح بذلك؛ إذن ما رأيك أن تجرب الابتسام في وجهه؟ سيكون الأمر جميلا طبعا.
وصدقني ابتسامتك تلك، تعد هبة عظيمة. هذه فقط أمثلة تطبيقية لأدنى ما يمكنك القيام
به، أما إن أردت المساهمة بشكل أكبر، فهنالك الكثير من الطرق المجدية
.
التفاتة واحدة منك، بإمكانها أن تصنع
فوارق عملاقة – وصدقني فأنا لا أبالغ في هذا فإن كنت قد سمعت بتأثير الفراشة
فستفهم ما أقصده – بإمكانها أن تدخلنا في خط زمني، حيث العالم كله سعيد، وإن كان
حلما بعيد المنال إلا أنه لا يوجد مستحيل
.
شكرا لكل من يعيش كإنسان…شكرا لكل
من يفكر في غيره
.
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله