fbpx

وزان .. ضمانة الحب

“شايلاه أ دار الضمانة” عبارة يرددها المغاربة في كل أحاديثهم عن مدينة وزان أو كلما سألك شخص ما من أين أنت؟ وأجبت من وزان. المدينة لها مكانة دينية خاصة ومتميزة في الثقافة المغربية الشعبية والدينية أيضاً، ذلك أن فيها العديد من مزارات الأولياء والصالحين الذين يعود نسب بعضهم إلى الأدارسة ومؤسس الدولة الإدريسية “مولاي إدريس الأول” المنتسب لآل البيت عليهم السلام، لعل أبرزهم الولي الصالح والعارف بالله “مولاي عبدالله الشريف” (1596م_1678م) الذي أسس الزاوية الوزانية ومرقده هو” دار الضمانة “، هذا الصرح الذي ارتبط بتاريخ المدينة وحاضرها يوجد في أعرق أحياء المدينة. تدخل إليه فتحس أنك تسافر عبر الزمن في الأزقة الضيقة والزواريب المسقفة، وأبواب المنازل العتيقة تختزل في داخلها ذاكرة من عاشوا فيها لقرون وتحتفظ بأسرارهم. تقتحم أنفك رائحة أبواب الخشب المنقوش، وتبهرك هندسة المكان من الأقواس المرتبة بدقة والنقوش في الجدار الخارجي للضريح والمسجد المجاور له، وفي الداخل تأسرك ألوان الزليج والفسيفساء والجبس والفناء الذي تتوسطه نافورة الماء والزخرفات الخشبية ومنمنمات للآيات القرآنية، ما يشكل لوحة حضارية تاريخية وإنسانية آية في الجمال المغربي والكوني.
تجد في المدخل رجالا ونساء محفورة ملامحهم بالزمن يتبادلون الحديث، و آخرون يقرؤون القرآن في خُفت أو يدعون في سرهم حاجتهم وضعفهم لله تعالى عند مقام وليه الصالح. فجأة تسمع قراءة جماعية للقرآن الكريم وبعدها رفع الدعاء إلى زائر ما والكل يقول “آمين”. هنا مظاهر التدين المغربي الضاربة في الجذور وهي الحاضرة بقوة. يقال أن الزائر إن زار بِنِيَّته وروحه تُقضى حاجته على الفور، رحمة الله تنزل على المكان، ويُحكى في زمن بعيد أن النساء كُن يطأْن أرض وزان وهن حفاة الأقدام، إجلالا و تقديراً لمقامات الشرفاء والأولياء الذين عاشوا فيها.
في دار الضمانة، تغترف الروح من قدسية المكان ومحبة الأرواح الحاضرة فيها فترويها بالحب والأمان وإن زارها زائرٌ لابد أن يترك قطعة من روحه فيها ويُعوضها بقطعة من المحبة والصفاء والهناء. يرجع سبب تسميتها بهذا الإسم إلى أن الفقراء والمساكين كانوا يلجأون إليها وأيضاً المقاومون للاستعمار هرباً من بطشه، فدار الضمانة أو الزاوية الوزانية ساهمت بكل شرف في مقاومة الغزاة وقاومت الاحتلال الفرنسي وقبله الإسباني وحتى البرتغالي؛ كما لا تزال تحتفظ خزانتها بكتب ومخطوطات عريقة لفقهاءَ وعلماءَ تركوا إرثا معرفيا وعلمياً مهماً لأحفادهم من أبناء المدينة ولكل طالب للعلوم. 
يهتم أهل وزان بحفظ القرآن الكريم وقصائد مدح الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، كما يهتمون بالعلوم الدينية والشرعية؛ في الماضي كان الطلاب المتخرجون من مدارس التعليم الأصيل يقصدون جامعة القرويين بفاس حيث كان نهل العلم والمعرفة على أيدي العلماء الكبار فيعودون لمدينتهم لنشر الوعي والتسامح وحب النبي والإيمان العميق والصادق، ورغم نقص أعداد حفظة القرآن الكريم مقارنة بالماضي، لا تزال الكتاتيب في المدينة وفي القرى المحيطة تمتلئ بالأطفال والكبار.
كما تشتهر المدينة بفنون الخياطة والطرز التقليدي، فهنا يكاد كل منزل لا يخلو من “معلم خياطة”، في محلات الخياطين المجاورة لبعضها البعض تجد التفنن والبراعة في خياطة الجلباب والقفطان والسلهام في كل مكان، للنساء ميزة الطرز وترصيع الثوب بالعقيق الملون. يكفي أن تمر أمامك حسناء ممشوقة القوام ترتدي جلبابا وزانيا فيزيدها زينة ووقارا فتصبح آية في الجمال، أو رجلاً كبيراً يرتدي جلباب الحُبَّة الوزانية فتضفي عليه هيبة وبهاء – الحُبَّة الوزانية سميت بهذا الإسم لأنها مصنوعة من الصوف فقط وتحتفظ بحبات الصوف يختلف حجمها و تلبس في فصل الشتاء كثيراً-. وإن زرت المدينة في الأعياد الدينية أو صادفك يوم الجمعة فيها، ستجد أن أهل المدينة توحدوا رجالاً ونساء في لبس الجلباب وفوقه السلهام. 
أما عن جغرافيا المدينة فهي بوابة الشمال أو منطقة “جبالة”، تقع المدينة تحت أقدام جبلين هامَّين: جبل “بوهلال” وجبل “بو عقيقة” وهما شامخان بأشجار الزيتون الضاربة في القدم، هنا غابات الزيتون البري كثيفةٌ تستقبل الزائر في الطريق، والمَعاصر تملأ المكان بروائح الزيتون والفيتور والمرجان؛ إن صادفت موسم جني الزيتون في المنطقة ستندهش أمام الخيرات القادمة من الأماكن البعيدة، يأتي الناس لعصر زيتونهم، الذي أسقطوه من أشجارهم، بطرق عصرية حديثة، فيصير زيتا مباركاً أصفر أو أخضر مضاءً تشتهيه العين قبل الفم ويسري في الروح قبل الجسد هنيئاً مريئا. كما تحتوي المنطقة على مساحات خضراء شاسعة للزراعة وأراض للفلاحة وبساتين يخرج منها ما لذ وطاب من الخضروات والفواكه الموسمية مختلفة ألوانها وأنواعها كلٌّ حسب توقيته الذي تحدده الطبيعة، وتعتمد ساكنة البوادي والقرى المحيطة بوزان على الثروة الحيوانية والفلاحية التي أنعم الله عليهم بها. 
لا شيء في هذه المدينة يوحي بالقلق والتوتر، فهدوء ونقاء الهواء العليل يجعلان كل زائر قد يفكر في العيش فيها، لكن الحياة في المدينة تسيطر عليها بعض الرتابة والسكون ، والقلق يحضر حين ترى شُبانا في مقتبل العمر لا شغل لهم سوى تدخين السجائر والحشيش أوالمُتاجرة فيهما، والعديد منهم يذهبون لمناطق زراعته للاشتغال لسد حاجياتهم المعيشية اليومية، ذلك أنهم لم يتمكنوا من مسايرة الدراسة بسبب العوز وقلة الحاجة، وحيث غيابٌ ملفت للأنشطة الثقافية والسياحية والاقتصادية فيقصدون هذا الاتجاه الخطير، وقد يقصدون اتجاها آخر قد يكون أخطر، التطرف الديني والاجتماعي.
تحتاج المدينة لنهضة بمعالمها الدينية و مآثرها التاريخية تجعل منها مزارات سياحية فتنشط الحركة الثقافية والسياحية ويصبح للمدينة إشعاع حضاري وطني ودولي يقصدها الزوار من أصقاع الأرض، والتعريف بالعلماء الربانيين الذين عاشوا فيها، بين جبالها واكتشفوا أسرارها وخيراتها فجعلوا منها منارة للإيمان والحب والورع والهناء، فتدور عجلة الاقتصاد وتتوفر فرص الشغل لأهالي المدينة خصوصا الشباب بشكل متناسق يحافظ على الإرث المحلي الشعبي التاريخي، وتكريس ثقافة الانفتاح والحداثة الراقية. تستحق مدينة وزان ودار الضمانة أن نحافظ على مكنوناتها وكنوزها وأسرارها، وهذه مسؤولية تقع على المجالس المحلية التي تديرها والمسؤولين عليها و ذعلى ساكنتها والمنتمين للمدينة الذين هجروها، وعلى المغاربة بشكل عام، والجمعيات و المنظمات الوطنية والدولية، ففي وزان مشتركٌ إنساني عالمي وكوني.
تستحق دار الضمانة أن نحافظ عليها وعلى هويتها الدينية الإسلامية ولتبقى حية في ذاكرة أهل المدينة وحاضرهم وكل المغاربة، وفاءً لأرواح الذين عاشوا فيها وأوليائها، لعاشقيها ومُريديها الذين أسسوها وجعلوها دار ضمانةٍ للإنسانية والحب، فمدينة وزان هي فعلا ضمانة الحب.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله